ابن الجوزي
14
لقط المنافع في علم الطب
وقال - ابن الجوزي - في أول مشيخته : حملني ابن ناصر إلى الأشياخ في الصغر ، وأسمعني العوالي ، وأثبت سماعاتي كلها بخطه وأخذ لي إجازات منهم ، فلمّا فهمت الطلب كنت ألازم من الشيوخ أعلمهم ، وأوثر من أرباب النقل أفهمهم فكانت همتي تجويد العدد لا تكثير العدد ، ولمّا رأيت من أصحابي من يؤثر الاطلاع على كبار مشايخي ذكرت عن كل واحد منهم حديثا « 1 » ، ثم ذكر في هذه المشيخة له سبعة وثمانين شيخا . وقد كان ابن الجوزي مجدّا في طلب العلم ، منكبا على تحصيله ، يقول عن نفسه : ولقد كنت في حلاوة طلبي للعلم ألقى من الشدائد ما هو عندي أحلى من العسل لأجل ما أطلب وأرجو ، كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة ، فأخرج في طلب الحديث وأقعد على نهر عيسى ، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء ، فكلما أكلت لقمة شربت عليها ، وعين همتي لا ترى إلا لذة تحصيل العلم ، فأثمر ذلك عندي أني عرفت بكثرة سماعي لحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأحواله وآدابه وأحوال أصحابه وتابعيهم . . . وأثمر ذلك عندي من المعاملة ما لا يدرى إلا بالعلم ، حتى إنني أذكر في زمن الصبوة ووقت الغلمة والعزبة قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال ، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي العلم من خوف اللّه عزّ وجلّ « 2 » . وقد حبّب إليه العلم منذ الطفولة ، وكانت نفسه تتوق إلى التبحر في كل علم يحدثنا عن ذلك فيقول : إني رجل حبّب إليّ العلم من زمن الطفولة فتشاغلت به ، ثم لم يحبب إلي فن واحد ، بل فنونه كلها ، ثم لا تقتصر همتي في فن على بعضه ، بل أروم استقصاءه والزمان لا يتسع ، والعمر يضيق ، والشوق يقوى ، والعجز يظهر ، فيبقى وقوف بعض المطلوبات حسرات . . . « 3 » .
--> ( 1 ) مشيخة ابن الجوزي 53 ، وذيل طبقات الحنابلة 1 / 401 . ( 2 ) صيد الخاطر 235 . ( 3 ) صيد الخاطر 37 .