ابن تلميذ

16

مقالة في الفصد

يتهمهم الناس بمزاولة التشريح ، والنص بحد ذاته يشير إلى أن ابن النفيس كان يزاول التشريح لأنه يقول فيه أنه في أشياء يسيره يصحح أخطاء النساخ أو يصحح أخطاء المشاهدة غير المحققة ، وكيف سيصحح مشاهدة تشريحية إن لم يشاهد بنفسه العضو الموصوف ؟ وهذه الجملة التي وردت قبل قليل « والتشريح يكذب ما قالوه » وإذا تذكرنا أنه أول من يكذب ما قالوه علمنا أنه يقصد التشريح الذي زاوله يكذب ما قالوه . وجمل أخرى كثيرة نجدها في كتاب شرح التشريح تؤيد هذا الانطباع مثل وهذا لا يصحح البتة وهذا عندنا باطل . . . الخ . ويدنو ابن النفيس من حقيقة الدورة الدموية الصغرى أكثر عندما يصف انتقال الدم من الوريد الشرياني ( الشريان الرئوي ) إلى الشريان الوريدي ( الوريد الرئوي ) أي عند وصفه اجتياز الدم للشعيرات الرئوية كما سيأتي معنا وكما فصله مارسيللو مالبيكي M . Malpighi مستعينا بالمجهر بعد أربعة قرون . النصوص السابقة لابن النفيس حول الدورة الدموية الصغرى مأخوذة من كتابه شرح تشريح القانون ، إلا أن مفهوم الدورة الدموية الصغرى ورد بنص مقارب جدا لما أوردناه سابقا في كتاب آخر لابن النفيس هو كتاب الشامل في الصناعة الطبية وفي معرض حديثه عن فيزيولوجيا الدهون . يقول ابن النفيس تحت عنوان « طبيعة الدهن وأفعاله على الاطلاق » « وأما ما ينفذ من الدهن إلى أعضاء الصدر من طريق الكبد ، فإن هذا النافذ يصل أولا إلى القلب ، وذلك إلى بطنه الأيمن ، وحينئذ يدفعه القلب إلى الرية ، لم يكن أيضا صالحا لتغذيتها ، فينفذ من أفواه أطراف الوريد الشرياني ومن مسام ذلك الوريد إلى جرم الرية ، ويخالط ما يكون هناك من الهواء ومن الأجزاء الدموية المصغرة جدا وهي التي يكون منها ومن ذلك الهواء الروح ، ثم إن الشريان الوريدي يجذب هذه الجملة إلى تجاويفه أعني بذلك الهواء والأجزاء المصغرة من الدم مع الأجزاء المتضغرة جدا من الدهن . وعلة جذبه لهذه الجملة هو جذبه للهواء المروح ، وهذان الهوآن يكونان مخالطين فينفذان معه ، ثم إذا نفذت هذه الجملة في تجاويف ذلك الشريان ، ثم إلى تجاويف مسامه ثم إلى البطين الأيسر من