المبشر بن فاتك
425
مختار الحكم ومحاسن الكلم
وقالوا : افرح قليلا إذا لم يكن لك أذى ولا ضرر على أحد من المخلوقين . فأما إذا كثرت منفعتك وعمت فافرح كثيرا بفضيلة مدّخرك النافع حقا . وقال آخر : تريد البقاء ولا تعرف عمله ، وتكره الموت وتلازم ما يؤذيك عند مماتك « 1 » ، وتكره أن تسمى جاهلا وأعمالك أعمال الجاهلين ، وتحب أن تدعى فاضلا ولا تعمل أعمال الفاضلين ! لا أحسب هذا إلا صفة المخلّطين ! من سرّه أن يمدح بما فيه كان ذلك عارا عليه ؛ ومن سره أن يمدح بما ليس فيه كان ذلك عارا ووبالا عليه . وقال آخر : من الواجب على العلماء هداية المستحقين . وقال آخر : المجتهدون في الهداية هم في أفضل العبادة . وقال آخر : إن لزمت القصد والقنوع في جميع ما يحتاج إليه جسدك مما لا بد لك منه - أرحت نفسك في الدنيا والآخرة وسعد جدّك . وإن لم تلزم القصد ولا القنوع أشقيت نفسك في الدنيا والآخرة . وقال آخر : من قصّر فيما يجب لخالقه عليه قصر في جميع أعمال البر . لا تصدقن من ادعى معرفة الحق إذا عمل بالباطل ؛ ولكن عسى أن يكون قد سمع بالحق أو ببعض وصفه . وقالوا : كيف تدعى معرفة الحق وعملك بالباطل ! وإنما يعمل بالباطل الجاهلون للحق [ 131 ب ] ، كما أن الصبيان المفطومين إذا اعتادوا أكل الحلاوات ثم قيل لهم وهم يأكلونها لا تأكلوها ، لا يقبلون ذلك - كذلك الجاهلون لا ينتهون عن ملاذهم الحسية ولا يحبون الحياة إلا لها ؛ كما أن العارفين لا يحبون الحياة إلا لأعمال الخيرات وترك ملاذ الدنيا المردية لأهلها ، فهم متباينو الأعمال والمقاصد ، مشتبهون في الصور . كيف تتفق أخلاق أقوام مجهودين في ذخائر البقاء النافعات ، وأخلاق قوم مجهودين في ملاذهم الحسيات ؟ !
--> ( 1 ) ح ، د : عند محله ( ! ) .