المبشر بن فاتك
404
مختار الحكم ومحاسن الكلم
من الناس في الظاهر لم يعدموا أن يرجعوا إلى المذاهب الأولى المتمكنة فيهم بالعادة . وقالوا : ينبغي للمرء أن يعرض على نفسه كل يوم جميع أفعاله ، وأن [ 44 ب ] يتحرّى « 1 » ويتجسس ما يقول فيه جيرانه ومعاملوه ، وما ذا يمدحونه ويذمّونه . فإذا سلك هذا المسلك ، لم تخف عليه عيوبه . وقال آخر : اتخذ من نصحاء إخوانك مرآة لطبائعك وفعالك ، كما تتخذ لوجهك الحديد المجلوّ ، فإنك إلى صلاح طباعك وأفعالك أحوج ( منك « 2 » ) إلى تحسين صورتك . وقال آخر : من رضى عن نفسه كثر من يسخط عليه ، ومن تقصّى على نفسه سلم من تقصّى غيره عليه ، ومن لم يعظ نفسه لم ينتفع بوعظ الواعظين . وقال آخر : إذا أردت أن يكون العقل غالبا للهوى فلا تعجّل بقضاء الشهوة قبل أن تنظر في العاقبة ، فإنه كان يقال : مكث الندامة في القلب أكثر من مكث الشهوة . وقال آخر : الحياء هرب النفس من المذمة وخوف المستحيى من تقصير يقع به عنده من هو أفضل منه ، وليس يوجد إلا فيمن كانت نفسه بصيرة بالجميل ، غير عمية عنه . وقال آخر : أفضل الرجال من تواضع عن رفعة ، وزهد عن قدرة ، وأنصف عن قوة . وقال آخر : كل نعمة محسود عليها إلا التواضع . وقال آخر : من جهل قدر نفسه فهو لقدر غيره أجهل ، ومن أنف من عمل نفسه اضطر إلى عمل غيره ، ومن لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره ؛ وثمرة التواضع المحبة ، وثمرة القناعة الراحة .
--> ( 1 ) د ، ح ، ص : يتحرز . ( 2 ) منك : ناقصة في ص ، ح ، د .