المبشر بن فاتك

338

مختار الحكم ومحاسن الكلم

يا بنى ! تفهّم الحكمة وأخلاقها كلها ، واجعلها لك شغلا ، وفرّغ نفسك لها . أسرع إذا كسبتها ، وأبطئ إذا أنفقتها ، وقرّ عينا إذا جمعتها . واعلم أن الحكمة لا تصلح إلا باللين ، وإن اللين جراب الحكمة ، وإن مثل الحكمة بغير تدبير بمنزلة مال في يدي غير خازنة « 1 » أباحه سارقا ووجده معوزا ، أو كمثل غنم تروح في غير زريبة أتاها « 2 » الذئب وجدها [ 104 ب ] ضائعة فأكلها . - وتعاهد ، مع ذلك ، لسانك . واعلم أن اللسان باب الحكمة فإذا ضيعت الباب دخل من لا تريد أن يدخل . فإذا حفظته حفظت الخزانة . وإن من ملك لسانه إن قال قال بعلم ، وإن صمت صمت بحلم ؛ إذا رأى لقوله قرارا تكلم ، وإن لم ير له قرارا فإذا استنطقه من يريد الدين اجتهد ، وإذا استنطقه السفهاء صمت . أكرم حكمة اللّه ولا تضعها عند من تهون عليه ، ولا تبخل بها عند من يريد حفظها . يا بنى ! إن اللسان مفتاح الخير والشر ، فاختم على فيك إلا من خير ، كم تختم على ذهبك وفضتك . يا بنى ! طوبى لمن لم يغتر بالدنيا ولم يندم يوم الحساب ! يا بنى ! لا تضيع مالك وتصلح مال غيرك ، فإن مالك ما قدمت لنفسك ، ومال غيرك ما تركت وراء ظهرك . يا بنى ! إن الدنيا لا خير فيها إلا لأحد رجلين : رجل سبق منه عمل سىء فهو حريص على أن يتداركه بعمل صالح ليعفو « 3 » اللّه به عن سيئاته ، ورجل يطلب الدرجات فهو يسارع فيها .

--> ( 1 ) ش : حازمة . ( 2 ) ش ، ل : أباحها . ( 3 ) ل : ليعف .