المبشر بن فاتك

336

مختار الحكم ومحاسن الكلم

يفتر عنهم حزنه : إن كان أكبرهم عنّى من دونه ، وإن كان أصغرهم عنى من فوقه ؛ لا يرشد إن أرشد ؛ لا يطيع من يأمره ولا يسعد من عاشره ، لا يسلم من اعتزله ؛ لا يصيب إن قال ؛ ولا يفقه إن قيل له ؛ لا يقتصد في الرجاء ، لا يصبر في البلاء ؛ لا يعفّ في المسألة ، لا يفعل المعروف ، لا يشكر لأحد ، لا يدع الغشّ ، لا يقبل من ناصح ، يعجبه حكمه وإن لم يوافق الحكماء ، ويعجبه علمه وإن لم يوافق العلماء ؛ يرى أنه محسن وإن كان مسيئا ؛ يرى عجزه كيسا وشرّه خيرا وتفريطه حزما وجهله حلما ؛ يخيّر نفسه الأخلاق : فما أحبت نفسه أخذ ، وما كرهته ترك ؛ وإن وافق الحق هواه مدحه وامتدح به ، وإن خالف الحق هواه كذبه ورمى به ، وإن احتاج إلى الحق سأله ، وإذا سئله منعه ؛ إذا حضر أهل الحق شاغهم ، وإذا تغيب عنهم كان في الباطل ؛ إذا جالس العلماء لم يتخشع ولم ينصت لهم ، وإذا جالس من دونه فخر عليهم وضحك منهم ؛ يقول [ 103 ب ] الحق ويخالفه بالعمل ، يأمر بالبر وهو فاجر ، يأمر بالحق وهو مبطل ، يأتي إلى الناس ما لا يرضاه لنفسه ، يدلّ على الإحسان ويجتنبه ، وينهى عن السوء ويتبعه ، يأمر بالحزم وهو مضيّع ، لا يوافق قوله فعله ولا سرّه علانيته ؛ لا يقول بالحق إلا ليحمد عليه ؛ ينفقه لغير الدين ، يتعلم لغير الحق ، يبتغى الدنيا بعمل الآخرة ؛ إن كنت عالما تكبر وأنف أن يتعلم ، وإن كنت جاهلا سخر منك ولم يعلّمك ، وإن كنت قويا عنّفك ، وإن كنت ضعيفا عجزك ، وإن كنت غنيا سماك طاغيا ، وإن كنت فقيرا سماك مضيقا ؛ إن كنت حريصا على الخير سماك متكلفا ، وإن كنت بطيئا سماك مضيعا لا حزم لك ؛ إن أحسنت أشاع أنك مراء ، وإن أسأت كشف للناس سترك ، وإن أعطيت قال مبذّرا ، وإن أمسكت قال بخيلا ؛ إن لنت للناس واقتربت منهم قال : ما أشدّ تملقك ! وإن اعتزلتهم قال : ما أعظمك ! فمثل الأحمق كالثوب البالي إذا رقّعه من جانب تخرّق من الجانب الآخر ، كالزجاجة لا ترقّع ولا تشعب .