المبشر بن فاتك
239
مختار الحكم ومحاسن الكلم
وقال : ينبغي للعاقل أن يكون رقيبا على نفسه فيستعظم الخطأ ويستصغر صوابه لأن الصواب داخل في شرط إنسانيته ، والخطأ صغير لما استقر في نفوس الناس منه . وقال : بخل العالم بإفادة ما اقتناه من ثمار علمه وأصوله تحمله على الاقتصار عليه والإمساك عن طلب غيره مما يؤثر الاختصاص به . وقال : الفرق بين الإبانة والبلاغة أن الإبانة وصف ما عليه الشئ بأخصّ الألفاظ وأوجزها وترتيبها في القول على مراتبها منه « 1 » وترك النظر فيما يقع بموافقة المستعين واعتماد المتكلم [ 61 ب ] على أن يكون كلامه كالقالب لمعناه . والبلاغة وصف الشئ بالغاية مما علق به وتوخّى أحسن ما في العلّة من اللفظ وأقربه إلى أفهام المستمعين وآنفه لأنفسهم . وقد تشبّه الإبانة بثوب يقطع لرجل على أقصد مشاكلة له فهو ينحو صورة جسمه ولا يتعدّاها . والبلاغة ثوب لم يقتصر به على وصف السالف الأول حتى جعل مفرط السعة والطول وعلى أحسن ما يكون من الثياب وآنقة للأعين « 2 » . ففيه أشياء كثيرة لا تتعب صورة لابسه . ولهذا تفضل البلاغة على الإبانة عند ذوى الترفّه لأنها تشبه ما آثروه في العيش ؛ كما تفضل الإبانة عند الحكماء لما آثروه من الاقتصار على ما بهم إليه الحاجة فيما بغوه ، لأن الحكماء يتوخون من الغذاء تناول ما يسد الجوعة ويوافق المزاج فقط ، وذو الترفه يتوخى فيه سدّ الجوعة وطيب الطعم والرائحة وحسن اللون . وقال : الفرق بين الإبانة والبلاغة أن الإبانة لا تكون إلا لموجود ، والبلاغة تكون لموجود ومفروض . وقال : الآلات تتم « 3 » الفاقات ؛ وإنما تكثر عند من كثرت فاقته .
--> ( 1 ) غير واضحة في ب . ( 2 ) ب : الأعين . ( 3 ) ح ، ص : تتمم .