المبشر بن فاتك
195
مختار الحكم ومحاسن الكلم
وقال : كما أن جميع الأعراض الخارجية تظهر في البدن تابعة ضرورة أمراضا في البدن وأشياء خارجة عن الطبيعة - كذلك الكلام الغليظ والأفعال الصعبة التي تظهر من النفس تابعة ضرورة إما نفسانية وإما شيئا خارجا عن الطبيعة ثابتا في النفس . فليس ينبغي إذن أن يصدّق من ظهر منه كلام غليظ أو فعل صعب إذا عاد في وقت آخر فقال إنه ليس في نفسه مكروه ؛ وذلك أنه كما أن الذي به مرض في بدنه إنما يحسّه في وقت حركته فقط ، كذلك من كان به ألم نفساني إنما يحسّه في وقت حركته فقط ، وطبيب النفس يحسّه مع هذا في وقت سكوته أيضا . وقال : كما أن [ 44 ا ] الذين يستعملون حواس البدن فقط يمنعهم من الغضب الملك المحسوس إذا وقفوا بين يديه ، كذلك يجب على من يستعمل الحواسّ النفسانية أن يمنعه من الغضب الخوف من الملك المعقول الذي هو واقف بين يديه دائما . وقال : احذر حلم الحليم ولا يغررك تماديه ، فإن الصندل مع يرده تلحّ عليه الرياح حتى تجمع بين أغصانه فتبلغ من قدح بعضها ببعض ما تورى منه فتحرقه . وذكر له رجل كثير المال فقال : لست أغبطه دون أن أعلم أنه قد أحسن استعمال ماله . وجعل لرجل جعل « 1 » على أن يشتم سقراطيس . فأتاه فشتمه . فقال له : إن كان هاهنا وجه آخر تظن أنك تنتفع به فلا تمتنع منه « 2 » . ورفع عليه رجل في مجلس بعض الرؤساء ، فلم يمتعض . فقيل له في ذلك ، فقال : هذا الحائط الذي قبالتنا أرفع منّا أجمعين ، ولا أرى أحدا منّا يغضبه ذلك ؛ وإنما أن ترتفع همته على همّتى . أما إذا كانت همّتى أرفع ، فمجلسى الأرفع ومنزلته الأدنى .
--> ( 1 ) جعل : ناقص في ب . ( 2 ) ح : به .