المبشر بن فاتك

160

مختار الحكم ومحاسن الكلم

ولمّا تصرم القول في النفس وبلغوا فيها الغرض الذي أرادوه سألوه « 1 » عن هيئة العالم وحركات الأفلاك وتركيب الاسطقسات ؛ فأجابهم عن جميعه ثم قصّ عليهم قصصا كثيرة في العلوم الإلهية والأسرار [ 31 ا ] الربانية . ولما فرغ من ذلك قال : أمّا الآن فأظنه قد حضر الوقت الذي ينبغي لنا أن نستحمّ فيه ونصلّى ما أمكننا ولا نكلف أحدا حمّام الموتى فإنّ الأمارمانى « 2 » قد دعانا ونحن ماضون إلى زاوس « 3 » ، وأما أنتم فتمضون إلى أهاليكم . ثم نهض فدخل بيتا فاستحم فيه وصلّى وأطال اللبث ، والقوم يتذاكرون عظيم المصيبة بما نزل به وبهم من فقده وأنهم يفقدون حكيما عالما وأبا مشفقا ويبقون بعده كاليتامى . - ثم خرج فدعا بولده ونسائه وكان له ابن كبير وابنان صغيران فودّعهم ووصّاهم وصرفهم . فقال له أقريطون : فما الذي تأمرنا أن نفعله في أهلك وولدك وغير ذلك من أمرك ؟ قال « 4 » : لست آمركم بشئ جديد ، بل إني آمركم « 4 » بالذي لم أزل آمركم به قديما من الاجتهاد في إصلاح أنفسكم ، فإنكم إذا فعلتم ذلك فقد سررتمونى وسررتم كل من هو منّى بسبيل . ثم سكت مليّا وسكتت الجماعة . فأقبل خادم الأحد عشر قاضيا فقال له : يا سقراط ! إنك جرىء مع ما أراه منك وإنك لتعلم أنّى لست علّة موتك ، وأن علّة موتك القضاة الأحد عشر . وأنا مأمور بذلك مضطر إليه . وإنك لأفضل من جميع من صار إلى هذا الموضع . فاشرب الدواء بطيبة النفس ، واصبر على اضطرار اللازم . ثم ذرفت عيناه بالدموع ، وانصرف . فقال سقراط : تفعل ولست بملوم . ثم سكت هنيهة وانصرف إلى أقريطون فقال : مر الرجل أن يأتيني بشربة الموتى « 5 » .

--> ( 1 ) ب : وسألوه . ( 2 ) ح ، ب : الازمامانى ( ! ) ونرى أنه يقصد Hetpapyeva - القضاء والقدر . ( 3 ) زاوس - ZEYE زيوس ، رب الأرباب . - ح : راوس . ( 4 - 4 ) ناقص في ح . ( 5 ) ح : موتى .