أبو علي سينا
92
القانون في الطب ( طبع بيروت )
المائية اللعابية ، وجفوف الفمّ ، وقلة الريق يدلّ على يبس المعدة ، وحرارته على الحرارة . وإن كان هناك علامات أخرى تعين ذلك في الدلالة على الحرارة . واعلم أن يبس الفم يكون على وجهين : أحدهما اليبس الحقيقي ، وهو أن لا يكون ريق ، والثاني اليبس الكاذب ، وهو أن يكون اللعاب عذباً لزجاً ، لكنه جفّ بسبب حرارة بخارية تتأذى إليه ، فيجب أن تفرّق بين اليبس ، وجفوف الريق اللزج على الفم ، فإن ذلك يدل على اليبس ، وهذا على رطوبة لزجة ، إما منبعثة من المعدة ، أو نازلة من الرأس . وأما الاستدلال من الجشاء ، فلأن الجشاء قد يكون حامضاً ، وقد يكون منتناً ، إما دخانياً ، وإما زنجارياً ، وإما زهماً ، وإما حمائياً ، وإما عفناً ، وإما سميكاً ، وإما شبيهاً بطعم ما قد تناوله صاحبه ، وإما ريحاً صرفة ليس فيها كيفية أخرى ، وهو أصلح الجشاء . فإنه إن كان دخانياً ، ولم يكن السبب فيه جوهر طعام سريع الاستحالة إلى الدخانية ، مثل صفرة البيض المطجّنة ، والفجل ، أو طعام مستصحب في صنعته ، واتخاذه كيفية دخانية ، مثل الحلو المعمول عليه بالنار ، وغير ذلك ، فالسبب فيه نارية المعدة بمادة ، أو سوء مزاج ساذج . فإن كان بمادة ، كان على أحد الوجوه المذكورة . وكثيراً ما يكون ذلك من مادة صفراوية تنصبّ إلى المعدة من المرارة على الوجه السالف ذكره ، أو من نزلة من الرأس حادة ، وخصوصاً إذا لم يكن الإنسان صفراوياً في مزاجه . ويستدلّ أيضاً على أن السبب حرارة مادية ، أو ساذجة من جهة سالف التغذي بالغذاء البعيد عن الدخانية مثل خبز الشعير ، فإن مثله إذا جشا جشاء دخانياً ، فالسبب حرارة المعدة . وكذلك يتأمل البراز ، هل هو مراري ، فإن كان مرارياً ، دل على أن السبب حرارة في المعدة ، وإن لم يكن البراز مرارياً ، فلا يوجب أن يكون السبب في المعدة ، فإنه ربما كان سوء مزاج مفرد . والقيء أيضاً أدل دليل بما خرج فيه عليه ، وقد يدل الجشاء الدخاني على سهر لم تجد معه المعدة فراغاً كافياً للهضم ، فاشتعلت وسخنت . وأما إن كان الجشاء حامضاً ليس عن غذاء حامض ، ولا عن غذاء إذا أفرط فيه تغير إلى الحموضة ، فذلك لبرد المعدة ، وخصوصاً إذا جرّبت الأغذية البعيدة عن التحمض مثل العسل ، فوجدتها تحمّض ، فاحكم أن السبب في ذلك برد المعدة بلا مادة ، أو بمادة . ويصحب الذي بالمادة ثقل في فم المعدة دائماً . وأكثر ما يعرض لأصحاب السوداء ، ولأصحاب الطحال ، ولمن ينزل إلى معدته نوازل باردة ، وقد يحمّض الجشاء عن حرارة إذا صادفت مادة حلوة ، فأغلتها وحمّضتها . ويدلّ على ذلك أن يكون جشاء حامض مع علامات حرارة ، والتهاب ، ومرارة فم ، وعطش ، وانتفاع بما يبرّد ، ومما يستدل فيه على أن الحرارة المفرطة ، قد تحمّض الطعام ، أو الجشاء أن الحرارة ، قد تحمّض اللبن أسرع مما تحمّضه البرودة . وقد يستدل بالقيء أيضاً على المادة ، وإذا كان الجشاء منتناً ، فقد يدلّ على عفونة في المعدة دلالة البخر ، وقد يدلّ على قروح المعدة ، والسهك ، والسمكي . والحمائي يدل على رطوبة متعفنة ، والزنجاري يدل على حدّة ، وحرارة مع عفونة ، وهو أشدّ دلالة على الحرارة من