أبو علي سينا
90
القانون في الطب ( طبع بيروت )
فواق ، واختلاج ، وتمتد ، وأن تكون مدة بقاء الطعام في المعدة معتدلة ، ونزوله عنها في الوقت الذي ينبغي ، لا قبله ، ولا بعده ، ويكون النوم مستوياً ، والانتباه ضيفاً سريعاً ، والعين لا ورم بها ، والرأس لا ثقل فيها ، والإجابة عن الطبيعة سهلة ، ويكون أسفل البطن قبل التبرز منتفخاً يسيراً . وهذا يدل على جودة التفاف المعدة على الطعام ، وحسن اشتمالها عليه ، وذلك يدل على قوة المعدة ، وموافقة الطعام في الكم والكيف . فإذ لم تشتمل المعدة اشتمالًا حسناً ، ولم تكن جيدة الهضم ، حدث قراقر ، وتواتر جشاء ، وبقي الطعام مدة طويلة في المعدة ، أو نزل قبل الوقت الواجب . والصفراء ليس من شأنها أن تمنع الهضم منعاً مبطلًا ، أو ناقصاً متلحجاً ، بل قد تفسده وأما السوداوي فمن شأنها أن تمنع الهضم وتفسده معاً . وللبلغم أميل منها إلى الفساد . واعلم أن المعدة إذا لم يكن بها ورم ولا قرحة ، ولا كان بالغذاء فساد ، ثم لم تحسن الهضم ، فالسبب سوء مزاج ، وأكثره من برد ورطوبة ، وبعده الحار ، وبعده اليابس . وأما الاستدلال من أوجاع للمعدة ، فمثل الوجع المتمدد ، فإنه يدل على ريح ، والثقيل ، فإنه يدل على امتلاء ، واللاذع ، فإنه يدل على خلط حامض ، أو حريف ، أو عفن ، أو مرَ . وأما الاستدلال من الشهوة فقد يستدل منها إما بزيادتها ، وإما بنقصانها ، أو بطلانها ، وإما بنوع ما تنحو إليه مثل أنه ربما كان عطشاً وشوقاً إلى بارد ، وربما كان شوقاً إلى حامض ، وربما كان شوقاً إلى ناشف ، ومالح ، وحريف ، وربما اجتمع للشوق إلى الحريف ، والمالح ، والحامض معاً من جهة أن هذه تشترك في إفادة تقطيع الخلط الضار ، فيكون عليلًا على ضعف للمعدة ، فإن المعدة القوية تميل إلى الدسومات ، وربما كان الشوق إلى أشياء رديئة منافية للطبع ، كما يشتهي الفحم ، والأشنان ، وغير ذلك . والسبب فيه خلط فاسد كريب غير مناسب للأخلاط المحمودة ، وإذا كان حس المذاق صحيحاً ، لم تؤثر الشهوة طعماً على الحلو ، فإذا توحمت الشهوة وعافته ، فهناك آفة ، فإن اشتهت الحسومات ، فهناك تقابض ، وتكاثف ، وو يبس . فإن كره الطبع الأطعمة المسخنة ، ومال إلى البوارد لبردها ، فهناك حرارة . وإن اشتهى المسخنات ، فهناك برودة . وإن اشتهى المقطعات ، والحموضات ، والحرافات ، فهناك خلط لزج . والشهوة في المعلق الحارة للماء أكثر منها للغذاء ، وربما صار شدة الحرارة للتحليل ، وطلب البدل ، واللذع مهيجاً لجوع شديد ، ويكون ضرباً من للجوع لا يصبر عليه البتة ، ويصحبه الغشي ، خصوصاً إذا تأخر الغذاء ، والشهوة في المعدة التي تنصب إليها السوداء ، والبلغم الحامضان إن تكثر إذا كان قدرهما دون القدر المستدعي للنقص ، وإنما تكثر فيها الشهوة ، وتصير كلبية لما نذكره في باب الشهوة الكلبية ، واعلم أن شهوة الغذاء تعم الأعضاء كلها ، لكن تلك العامة تكون طبيعية وكائنة