أبو علي سينا

507

القانون في الطب ( طبع بيروت )

فصل في أوجاع المفاصل وما يعم النقرس وعرق النسا وغير ذلك السبب المنفعل في هذه الأمراض هو العضو القابل ، والسبب الفاعل هو الأمزجة والمواد الرديئة والسبب الآلي هو سعة المجاري الطبيعية لعارض ، أو خلفة ، أو حدوث مجار غير طبيعية أحدثتها الحركة ، والتهلهل ، والتخلخل لعارض أو خلفة ، كما في اللحوم الغمدية ، ثم ينفصل كل واحد من هذه الأقسام بفاصل . فالعضو القابل يصير سبباً لحدوث هذه الأمراض ، إما لضعفه بسبب سوء مزاج مستحكم ، وخصوصاً البارد ، أو ضعفه في خلقته لا من جهة مزاجه ، أو لشدة جذب حرارته ، وخصوصاً إذا أعينت بالحركة والأوجاع بأسباب من خارج . وإن كان هذا القسم ليس ببعيد على القسم المزاجي ، أو بسبب وضعه تحت الأعضاء الأخرى ، وحيث تتحرك إليه المواد بالطبع ، ولهذا ما يكثر في الرجلين والورك . وأما السبب الفاعل ، فإما سوء مزاج في البدن كله ، أو في الرئيسة من أعضائه ملتهب مبرد مجمد ، أو ميبس مقبض ، وخصوصاً إذا خالطته رطوبة غريبة . وأما المواد ، فإما أن تكون دماً مفرداً ، أو دماً بلغمياً ، أو دماً صفراوياً ، أو دماً سوداويا ، أو يكون دماً مفرداً ، أو سدة الخام ، أو مرة مفردة ، أو خلطاً مركبا من بلغم ومرة ، أو شيء من جنس المدة ، أو رياح مشبكة . وأكثر ما يكون عن بلغم مع مرة ، ثم عن خام ، ثم عن دم ، ثم عن صفراء ، وفي النادر يكون عن سوداء . وأسباب أقسام هذا السبب بعض الأسباب الماضية ، والنوازل ، والأزكمة من أسبابها ، ومعالجة القولنج على النحو الذي تقوى فيه الأمعاء ، وتدفع الفضول المعتادة ، ولا يقبلها فتندفع إلى الأطراف . ومن أسبابها أيضاً الأغذية المولدة للجنس ، المحدثة لذلك الوجع ، ومن المواد ، وقلة الهضم ، والدعة ، والسكون ، وترك الرياضة ، والجماع الكثير ، وتواتر السكر ، واحتباس الاستفراغات المعتادة من دم الحيض والمقعدة ، وغير ذلك ، ومما كانت العادة قد جرت به من قصد ، أو إسهال فترك . وأيضا الرياضة على الامتلاء ، والجماع على الامتلاء ، والحمام على الامتلاء من الطعام والشراب الكثير على الريق قبل الطعام ، فإنه ينكأ العصب ، والأخلاط النية إذا اجتمعت في البدن ، ثم لم يستفرغ بالطبع في البراز ، ولا بالصنعة ، لم يكن بد من تأدّيها إلى أوجاع المفاصل إن اندفعت إليها ، أو إلى حمّيات إن بقيت وعفنت . فأما إذا كانت الطبيعة تدفعها في براز أو بول ، فتجد البول معها غليظاً دائماً غير رقيق فج فبالحري أن تؤمن غائلتها . فإن لم يكن كذلك ، كان أحد ما قلناه ، وإن أعان هذه المواد النية حركة إلى المفاصل متعبة ، أو ضربة ، أو سقطة ، أو زاد في ضعف القوى عطب وسهر يضعفان القوى ، ويجذبان المواد إليه ، فتصير نافذة غواصة ، حدثت أوجاع المفاصل .