أبو علي سينا

437

القانون في الطب ( طبع بيروت )

فصل في تولّد الجنين إذا اشتملت الرحم على المني ، فإن أول الأحوال أن تحدث هناك زبدية المني ، وهو من فعل القوة المصورة . والحقيقة من حال تلك الزبدية ، تحريك من القوة المصورة لما كان في المني من الروح النفساني ، والطبيعي ، والحيواني إلى معدن كل واحد منها ، ليستقرٌ فيه ، ويتخلّق ذلك العضو منه على الوجه الذي أوضحناه وبيناه في كتب الأصول ، ولذلك يوجد النفخ كله يندفع إلى وسط الرطوبة إعداداً لمكان القلب ، ثم يكون عن جانبه الأيمن وجانبه الأعلى نفخان كالمتسعين منه يماسانه إلى حين ، ثم يتنحيان عنه ويتميزان ، ويصير الأولى علقة للقلب ، والأيمن علقة للكبد ، ويمتلئ الاخر من دم إلى بياض ، وينفذ إلى ظاهر الرطوبة المبثوثة نفذ نفخ ريحي يثقبه ، لينال منه المدد من الرحم من الروح والدم ، وتتخلق السرة . وأول ما تتخلّق السرّة تتبين ، إلا أن نفخات القلب ، والكبد ، والدماغ ، تتقدم خلق السرة ، لمان كان استمام هذه الثلاثة يتأخر عن استمام جوهر السرة . وهذا شيء قد حققناه وبينا الخلاف فيه في كتب الأصول من العلم الطبيعي . وكما يستقر المني ويزبد وينفذ الزبد إلى الغور نفخاً للقلب ، يتولد الغشاء من حركة مني الأنثى إلى مني الذكر ، ويكون متبرئاً ، ثم لا يتعلق من الرحم إلا بالنقر لجذب الغذاء ، وانما يغتذي الجنين بهذا الغشاء ما دام الغشاء رقيقاً فيها ، فكانت الحاجة إلى قليل من الغذاء . وأما إذا صلب ، فيكون الاغتذاء بما توتد في مسامه من المنافذ الواضحة العرقية ، ثم ينقسم بعد مدة أغشية . والحق أن أول عضو يتكون هو القلب ، لمان كان يحكى عن " أبقراط " أنه قال أول عضو يتكون هو الدماغ ، والعينان بسبب ما يشاهد عليه حال فراخ البيض ، لكن القلب لا يكون في أول ما يتخفق في كل شيء ظاهراً جليُّا . وقد نبغ فضولي من بعد يقول أن الصواب أن يكون أول ما يتخلّق هو الكبد ، لأن أول فعل البدن هو التغذّي ، كأن الأمر على شهوته ، واستصوابه . وقوله هذا فاسد من طريق التجربة ، فإن أصحاب العناية بهذا الشأن لم يشاهدوا الأمر على ما يزعم البتة . ومن القياس ، وهو أنه إن كان الأمر على ما يزعم من أنه يخلق أولًا ما يحتاج إلى سبوق فعله أولَا ، فليعلم أنه لا يغتذي عضو حيواني ليس فيه تمهيد الحياة بالحرارة الغريزية ، وإذا كان كذلك ، كانت الحاجة إلى أن يخلق العضو الذي ينبعث منه الحار الغريزي ، والروح الحيواني قبل أن يخلق الغاذي ، والقوة المصوّرة لا تحتاج في حال التصوير إلى تغذية ما ، لم يقع تحلّل محسوس يضر ضرراً محسوساً ، فيحتاج إلى بدله ، ويحتاج إلى الروح الحيواني ، والحار الغريزي ليقوم به ، فإن قال أنه حاصل للمصورة من الأب ، فكذلك القوة الغاذية أيضاً مصاحبة للمصورة المولدة من جهة الأب ، وكيف لا ، وتلك أسبق في الوجود . هذا والحال الأخرى ظهور النقطة الدموية في الصفاق ، وامتدادها في الصفاق امتداد ما ، وفي هذه الحال تكون النفّاخات قد استحال الرغوي منها إلى دموية ما ، واستحالت السرة إلى هيئة