أبو علي سينا

327

القانون في الطب ( طبع بيروت )

مما ينصبّ إلى الأمعاء ويبقى فيها ، ويتولد عنه الدود ، ولا هيئة الدود . ولونه لا يمل على أنه من مثل المادة الدموية ، بل مادة الديدان هي البلغم إذا سخن ، وأكثر وعفن في الأمعاء ، وبقي فيها . وأنت تعلم أسباب أكثرة تولد البلغم من المكولات ، والتخم ، وضعف الهضم بأي سبب كان ، ومن مزاج الأعضاء الباردة ، وما تولده الأغذية اللينة اللزجة ، مثل الحنطة ، واللوبيا ، والباقلا ، ومن سفّ الدقيق ، وأكل اللحم الخام ، والألبان ، والبقول ، والفواكه الرطبة ، والرواصيل ، والدسم ، والاغتسال بالماء الحار بعد الأكل ، وكذلك الاستحمام بعد الأكل ، والجماع على الامتلاء . وأصناف الديدان أربعة : طوال عظام ، ومستديرة ، ومعترضة ، وهي حب القرع ، وصغار . وإنما اختلف تولّدها بحسب اختلاف ما منه تتولد ، واختلاف ما فيه تتولد . أما اختلاف ما منه تتولد ، فلأن بعضها يتولد عن رطوبة لم يستول عليها الانقسام والتفرق من جهة جذب الكبد ، ومن جهة شدّة العفونة . وبعضها يتولد عن رطوبة فرّقها وقللها وصغرها جذب الكبد المتصل ، والعفونة ، وكثرة مخاوضة الثفل ، وإذا تولدت أعان على نقائها صغيرة إخراج الثفل لها قبل أن تعظم لقربها من مخرج ضيق . وبعضها يتولد عن رطوبة بين الرطوبتين ، فما كان من الرطوبة في الأمعاء العالية يكون من قبيل الرطوبة المذكورة أولًا ، وما كان من الرطوبة في المعي المستقيم كان من الرطوبة المذكورة ثانياً ، وما كان في الأعور ومعي قولون ، فهو من قبيل الرطوبة المذكورة ثالثاً . فالطوال من قبيل الأول ، وربما بلغت قدر ذراع ، والمستديرة والعراض من قبيل الثالث ، وإن كانت قد تتولد أيضاً في الأمعاء العليا ، خصوصاً الغلاظ العظام منها ، وربما لم تتولد إلا في قولون والأعور ، ثم انتشرت من جانب إلى المقعدة ، ومن جانب إلى المعدة . والصغار من قبيل الثاني . وهذه العراض والمستديرة كأنها تتولّد من نفس اللزوجات المتشبثة بسطح المعي ، ويجري عليها غشاء مخاطي يجنها ، كأنها منه تتولد ، وفيه تعفن . وأقلها ضرر الصغار ، لأنها صغار ، ولأنها بعيدة عن الأصول ، ولأنها ، بعرض الاندفاع بثفل قوي كثيف ، لكنها - إن عظمت ، واتفق لها أن بقيت مدة تعظم فيها - كانت شرّ الجميع ، لأنها من شرّ مادة . ثم الطوال فإنها ليست في رداءة العراض ، لأن مادتها أي مادة العراض أشد عفونة . والعراض والصغار أكثر خروجاً من المقعدة للقرب منها ، وللضعف فلا تستطيع أن تتشبّث بالمعي تشبّث الطوال . وكما أن الطوال أشد تشبّثاً ، فإن الصغار أسهل اندفاعاً . وإذا كان بصاحب الديدان حمّى ، كانت الأعراضى قوية خبيثة ، لأن الحقي تبيد غذاءها ، فتتحرك لطلبه ، وتتشبث بالمعي ، ولأن الحمى تؤذيها في جوهرها وتقلقها ، ولأن الحمّى تزيد طبيعتها عفونة وحدة وقلقاً ، ولأن المرار إذا انصب إليها هي الحمى آذاها ، فإذا التوت هي في الأمعاء ولذعتها آذت أذى شديداً .