أبو علي سينا
307
القانون في الطب ( طبع بيروت )
والقيء قد يقطع مادة القولنج الرطب ، والصفراوي . فإن أفرط حبس بحوابس القيء ومما هو جيد في ذلك أن يجعل في شراب النعناع المتخذ من ماء الرمان شي من كمون وسماق . ومما لا استصوب فيه ، أن يسارع إلى سقي المسهّل من فوق ، فإنه ربما كانتّ السدة قوية وكانت أخلاط وبنادق قوية كبيرة ، فإذا توجه إليها خلط من فوق ، فربما لم يجد منفذاً ، وتأس التدبير إلى خطر عظيم ، فالواجب أولًا أن يبدأ بتحشي المليّنات المزلقة ، مثل مرقة الديك الهرم التي سنصفها بعد ، بل قد وصفناها في ألواح الأدوية المفردة ، ثم تستعمل الحقنة الملينة ، فإن كان هناك حمّى ، فبدل ماء الديك ، ماء الشعير له ، ليأخذ الأخلاظ ، والبنادق من تحت قليلًا قليلًا . فإذا أحسّ بأن البنادق ، والأخلاط الغليظة جداً قد خرجت ، فإن وجب سقي شيء من فوق فعل ، وإن أمكن أن ينقي من فوق بالقيء المتواتر فعل . وإنما تشتدّ الحاجة إلى السقي ، فوق ، إذا كانت المادة مبدؤها المعدة والأمعاء العليا ، وعلم أن المعدة كانت ضعيفة ، وكثيرة الأخلاط ، ووجد الامتلاء فوق السرة والثفل هناك . فإن كان كل هذا يستدعي أن يسقل من فوق ، وكذلك إن عرض القولنج عقيِب السحج ، فالعلاج من فوق أولى . وهذا الضرب من القولنج ، وهو الذي ابتداؤه من المعدة والأعالي ، وأن يكون فيها مادة مستكنة ، ثم إنها ترسل إلى المعي المؤفة مادة بعد مادة ، فكلما وصلت إليه أعادت الوجع ، واحتاجت إلى تنقية مبتدأة . فإذا شرب المسهل ، فإما أن يخرجها ويريح منها ، وإما أن يحدرها إلى أسفل إلى موضع واحد ، فتنقيها حقنة واحدة ، أو أقل عدداً مما يحتاج إليه قبل ذاك . فإذا لم يجب سقي الدواء من فوق لضرورة بينة ، فالأحب إلي أن لا يسقي من فوق البتة شيء ، ويقتصر على الحقن ، وذلك لأن أكثر القولنج يكون سببه خلطاً غليظاً لحجاً لحوجاً لا يخرج بتمامه بالمستفرغات . وإذا شرب الدواء من فوق استفرغ لا من المعدة والأمعاء وحدهما ، بل من مواضع آخرى لا حاجة بها إلى الإستفراغ البتة ، وذلك يورث ضعفاً لا محالة . فإذا كان هذا ، ثم كانت الحاجة إلى تنقية المعي داعية إلى حقن كثيرة ، واستفراغات متواترة ، ضعفت القوة جداً ، فبالحري أن يقتصر ما أمكن على الحقن ، وما يجري مجراها ، فإنها ما وجدت في المعي خلطاً لم يجذب من مواضع آخرى ، ولم يستفرغ من سائر الأعضاء استفراغاً كثيراً . وإن كررت الحقنة مراراً كثيرة بحسب لحاج الخلط المولد للوجع ، لم يكن من الخطر فيه ما يكون إذا استفرغ من فوق بأدوية تجذب من البدن كله . وإذا كانت الحقنة لا تخرج شيئاً والمادة لم تنضج ، فتصبر ولا تحقن ، خصوصاً بالحقن الحادة ، فإن وقتها بعد النضج ، على أن الحقن الحادة يخاف منها على القلب والدماغ .