أبو علي سينا
474
القانون في الطب ( طبع بيروت )
يتسع عند الحنجرة ، فيبتدئ من سعة إلى ضيق ، ثم إلى فضاء واسع ، كما في المزمار ، فلا بد للصوت من تضييق المحبس . وهذا الجرم الشبيه بلسان المزمار ، من شأنه أن ينضم ، وينفتح ليكون بذلك قرع الصوت . وأما تصليب الغشاء الذي يستبطنها ، فليقاوم حدة النوازل ، والنفوث الرديئة ، والبخار الدخاني المردود من القلب ، ولئلا يسترخي بقرع الصوت . وأما انقسامها أولًا إلى قسمين ، فلأنّ الرئة ذات قسمين . وأما تشعبها مع العروق السواكن ، فليأخذ منها الغذاء . وأما ضيق فوهاتها ، فليكون بقدر ما ينفذ فيها النسيم إلى الشرايين المؤدية إلى القلب ، ولا ينفذ إليها ، فيها دم الغذاء ، ولو ينفذ يحدث نفث الدم ، فهذه صورة قصبة الرئة . أما الحنجرة : فإنها آلة لتمام الصوت ، ولتحبس النفس ، وفي داخلها الجرم الشبيه بلسان الزمامر من المزمار . وقد ذكرناه ، وما يقابله من الحنك ، وهو مثل الزائدة التي تشابه رأس المزمار ، فيتمّ به الصوت . والحنجرة مشدودة مع القصبة بالمبريء شداً ، إذا همَ المريء للإزدراد ، ومال إلى أسفل لجذب اللقمة ، انطبقت الحنجرة وارتفعت إلى فوق ، واستند انطباق بعض غضاريفها إلى بعض ، فتمددت الأغشية والعضل . وإذا حاذى الطعام مجرى المريء ، يكون فم القصبة والحنجرة ملتصقين بالحنك من فوق ، فلا يمكن أن يدخلها من الحاصل عند المريء شيء ، فيجوز بها الطعام والشراب من غير أن يسقط إلى القصبة شيء ، إلّا في أحايين يستعجل فيها بالازدراد قبل استتمام هذه الحركة ، أو يعرض للطعام حركة إلى المريء مشوّشة ، فلا تزال الطبيعة تعمل في دفعه بالسعال . وقد ذكرنا تشريح غضاريف الحنجرة وعضلها في الكتاب الأول . وأما الرئة : فإنها مؤلفة من أجزاء ، أحدها شعب القصبة ، والثاني شعب الشريان الوريدي ، والثالث شعب الوريد الشرياني ، ويجمعها لا محالة لحم رخو ما متخلخل هوائي ، خلق من أرقّ دم وألطفه . وذلك أيضاً غذاؤها ، وهو كثير المنافذ ، لونه إلى البياض خصوصاً في رئات ما تم خلقه من الحيوان . وخلق متخلخلًا ، ليتسع الهواء ، وينضج فيه ، ويندفع فضله عنه كما خلق الكبد بالقياس إلى الغذاء ، وهو ذو قسمين : أحدهما إلى اليمين ، والآخر إلى اليسار ، والقسم الأيسر ذو شعبتين ، والقسم الأيمن ذو ثلاث شعب ، ومنفعة الرئة بالجملة الاستنشاق . ومنفعة الاستنشاق إعداد هواء للقلب أكثر من المحتاج إليه في نبضة واحدة . ومنفعة هذه الاعداد ، أن يكون للحيوان عندما يغوص في الماء ، وعندما يصوّت صوتاً طويلًا متّصلًا يشغله عن أخذ الهواء ، أو يعاف استنشاقه لأحوال ، وأسباب داعية إليه من نتن وغيره ، هواء معد يأخذه