أبو علي سينا

375

القانون في الطب ( طبع بيروت )

المجوفة ، ومثل الرطوبات والطبقات والروح الباصر ، وقد يعرض أن يرق ، ويعرض له أن يكثف ، ويعرض له أن يغلظ ، ويعرض له أن يقل . وأما الكثرة ، فأفضل شيء وأنفعه ، وأكثر ما يحدث الرقة تكون من يبوسة ، وقد تكون من شدة تفريق يعرض عند النظر إلى الشمس ونحوها من المشرقات ، وربما أدى الاجتماع المفرط جداً إلى احتقان محلل ، فيكثف فيه أولًا ، ثم يرق جداً ثانياً وهذا كما يعرض عند طول المقام في الظلمة والغلظ ، يكون لرطوبة ، ويكون من اجتماع شديد ليس بحيث يؤدي إلى استعمال مزاج مرقق ، وقد يكون السبب فيهما واقعاً في أصل الخلقة . والقلة قد تكون في أصل الخلقة ، وقد تكون لشدة اليبس ، وكثرة الاستفراغات ، أو لضعف المقدّم من الدماغ جداً ، وصعوبة الأمراض ، ويقرب الموت إذا تحللت الروح . وأما الضعف والآفة التي تكون بسبب طبقات ، وأكثرها بسبب الطبقات الخارجة دون الغائرة ، فاما أن يكون بسبب جوهر الطبقة ، أو يكون بسبب المنفذ الذي فيها . والذي يكون بسبب الطبقة نفسها ، فيكون لمزاج رديء ، وأكثره احتباس بخار فيها ، أو فضل رطوبة تخالطها ، أو جفاف ويبس وتقشف وتحشف يعرض لها ، وخصوصاً للعنبيّة والقرنية ، أو فساد سطحها بآثار قروح ظاهرة ، أو خفية ، أو مقاساة رمد كثير يذهب إشفافها ، أو لون غريب يداخلها ، كما يصيب القرنيّة في اليرقان من صفرة ، أو آفة من حمرة ، أو انسلاخ لون طبيعي ، مثل ما يعرض للعنبيّة ، فيزداد إشفافاً وتمكيناً لسطوة الضوء من البصر ، ومن تفرقه للروح الباصرة ، وربما أحدث تجفيفاً وتسخيناً لتمكن الهواء والضياء من الرطوبات ، أو يرقق منها بسبب تأكّل عرض ، فلا يتدرّج الضوء في النفوذ فيها ، بل ينفذ دفعة نفوذاً حاملًا على الجليدية أو لنبات غشاء عليها كما في الظفرة ، أو انتفاخ وغلظ من عروقها كما في السبل . وأما العارض للثقبة والمنفذ : فإما أن يضيق فوق الطبيعي لما نذكره من الأسباب في بابه ، وإما أن يتسع ، وإما يفسد سدّة كاملة أو غير كاملة ، كما عند نزول الماء أو عند القرحة الوسخة العارضة للقرنية حيث تمتلئ ثقب العنبية من الوسخ ، ونحن نذكر هذه الأبواب كلها باباً باباً . وأما الكائن بسبب الرطوبات : فأمّا الجليدية منها ، فبأن تتغير عن قوامها المعتدل ، فتغلظ ، أو تشتد دفعة ، أو تزول عن مكانها الطبيعي ، فتصير متأذّية عن حمل الضوء والألوان الباهرة لها ، وأما البيضية ، فأن تكثر جداً ، أو تغلظ ، ويكون غلظها ، إما في الوسط بحذاء النقب ، وإما حول الوسط ، وإما في جميع أجزائها فيكون ذلك سبباً لقلة إشفافها ، أو لرطوبات وأبخرة تخالطها وتغير إشفافها ، فإن الأبخرة والأدخنة الغريبة الخارجة تؤذيها ، فكيف الداخلة . وجميع الحبوب النفّاخة المبخرة مثقلة للبصر ، وأما الزجاجية ، فمضرّتها بالإبصار غير أولية ، بل إنما تضرّ بالإبصار من حيث تضرّ بالجليدية ، فتحيل قوامها عن الاعتدال لما تورده عليها من غذاء غير