أبو علي سينا
293
القانون في الطب ( طبع بيروت )
وتأذّيها بما يتأذى به ، وامتلاؤها من الخلط المندفع إليها في مباديها ليزداد عرضُها وينقص طولُها ، وإنما كان الصرع يجري مجرى التشنّج ليس مجرى الاسترخاء ، فيفعل انقباضاً من الدماغ ويقصلها ، ولا يفعل استرخاء وانبساطاً ، لأن الدماغ يحاول في ذلك دفع شيء عن نفسه . والدفع إنما يتأتى بالانقباض والانعصار ، وكل تشنج مادي ، فإنه ينتفع بالحمى والصرع تشنج مادي ، فهو ينتفع بالحمى والأورام إذا ظهرت به ، فربما حلّته ونقصت مادته . وكثيراً ما ينتقل المالنخوليا إلى الصرع ، وكثيراً ما ينتقل الصرع إلى المالنخوليا . وقد ظن بعض الناس أنه قد يكون من الصرع ما ليس عن مادة ، فإن عنى بهذا أن السبب فيه بخاراً ، وكيفية تضرّ بالدماغ ، فيفعل فيه التقلص المذكور ، فلقوله معنى ، وإن عنى أن سبب ذلك هو نفس المزاج الساذج إذا كان في الدماغ فيفعل الصرع ، فذلك ما لا وجه له ، لأن تلك الكيفية إذا كانت قد تكيف بها الدماغ ، وجب أن يكون الصرع ملازماً إياها ، ولا يكون مما يزول في الحال ، بل سبب الصرع هو مما يكون دفعة ويزول في الحال ، أو يغلب فيقتل . ومثل ذلك لا يكون كيفية حاصلة في نفس الدماغ ، بل مادة وكيفية تتأدّى إليه وتنقطع ، وذلك من عضو آخر لا محالة ، والذي يعرض في الصرع لاضطراب حركة النفس لاختناقه ، وذلك الاضطراب لاضطراب التشنج ، ويعرض في السكتة للاختناق ولاستكراء التنفس ، فكان الصرع تشنج يخص أولًا الدماغ ، والتشنّج صرع يخص أولًا عضواً ما ، وكأن حركة العطاس حركة صَرَع خفيف ، وكأن الصرع عطاس كبير قوي ، إلا أن أكثر دافع العطاس إلى جهة المقدّم لقوّة القوّة ، وضعف المادة ، ودفع الصرع إلى أي وجه كان أمكن وأسهل . ويجب أن يحصل مما قيل : إن الصرع إذا كان في الدماغ نفسه ، فالسبب فيه مادة لا محالة تفعل ريحاً محتبسة في مجاري الحس والحركة ، أو تملأ البطنين المقدّمين بعض الملء ، وهذه المادة ، إما دم غالب وكثير ، وإما بلغم ، وإما سوداء ، وإما صفراء ، وهو قليل جداً ، وبعده في القلّة الدم الساذج . وأما الدم الذي يضرب مزاج السوداء والبلغم ، فقد يكثر كونه سبباً لكن السبب الأكثر هو الرطوبة مجردة ، أو إلى السوداء ، فإن أغلب ما يعرض الصرع يغلب عن بلغم ، وقد قال بقراط : إن أكثر الغنم التي تصرع إذا شرح عن أدمغتها وجد فيها رطوبة رديئة منتنة ، وكل سبب للصرع دماغي ، فإنه يستند إلى ضعف الهضم فيه فلا يخلو ، إما أن يكون في جوهر الدماغ ومخّيته ، وهو أردأ ، وإما أن يكون في أغشيته ، وهو أخف . والصرع السوداوي القوي أردأ ، وإن كان البلغمي أكثر ، فإن السوداوي أسد لمنافذ الروح ، والمخصوص عند بعضهم باسم أم الصبيان قاتل جداً ، وإذا اتصلت نوائب الصرع قَتلَ . وأما الصرع الذي يكون سببه في عضو آخر فذلك ، إما بأن يرتفع منه إلى الدماغ بخارات ورياح مؤذية بالكمّية حتى يجتمع منها على سبيل التصعيد ، ثم يتكاثف بعده مادة ذات قوام تفعل بقوامها ، أو بما يتكون منها من ريح ، وإما أن يرتفع إليه بخار ، أو ريح مؤذ ، لا لكمية ، بل