أبو علي سينا
284
القانون في الطب ( طبع بيروت )
الأضمدة عليها مدة طويلة ، ثم إذا نزعتها وضعت على الموضع قطناً مغموساً في ماء حار ، أو صوفاً منفوشاً ، أو إسفنجة . وينفع استعمال ضماد الخردل على ما بين الكتفين ، وضمادات ذروروتيس أيضاً المذكورة في القراباذين ، فينفع أن يستعمل عليه المحاجم بغير شرط ، إلا أن يكون هناك ورم أو وجع ، فيمنع ذلك . وكثيراً ما ينتفع أصحاب المالنخوليا المراقي بالأشياء المبرِّدة من حيث أن تكون مرطبة مضادة ليبس السوداء ، ولأنها تكون مانعة من تولد الريح والبخار اللذين يؤذيان بتصعّدهما إلى الرأس ، وإن كان الانتفاء بالبارد ليس انتفاعاً خفيفاً قاطعاً للمرض : ولكن البارد إذا كان رطباً لم يتولد منه السوداء وانحسمت مادته ، ولم يبخر أيضاً المادة الحاصلة ورجي أن يستولي عليها الطبيعة فيصلحها . واعلم أن التدبير الغليظ المولد للبلغم ، وربما قاوم السوداء ، والتدبير الملطّف لما يفعل من الاحتراق بسهولة ربما أعانه ، ولا يغرنّك انتفاع بعضهم ببلغم يستفرغه قذفاً أو برازاً ، فإن ذلك ليس لأن استفراغ البلغم ينفعه ، بل لأن الكثرة وانضغاط الأخلاط بعضها ببعض يزول عنهم . وأما النافع بالذات ، فاستفراغ السوداء ، وقانون علاج المالنخوليا أن يبالغ في الترطيب ، ومع ذلك أن لا يقصر في استفراغ السوداء ، وكلما فسد الطعام في بطون أصحاب المالنخوليا ، فاحملهم على قذفه ، وخصوصاً حين يحسّون بحموضة في الفم ، فيجب أن تقيئهم لا محالة حينئذ ، ويحرم عليهم أن يأكلوا عليه طعاماً آخر ويستعمل الجوارشنات المقوّية لفم المعدة ، وليحذروا إدخال طعام على طعام قد فسد ، ويجب أن يشغل . صاحب المالنخوليا بشيء كيف كان وأن يحضره من يحتشمه ، ومن يستطيبه ، والشرب المعتدل للشراب الأبيض الممزوج قليلًا ، ويشغل أيضاً بالسماع والمطربات ، ولا أضر له من الفراغ والخلوة ، وكثيراً ما يغتمُّون بعوارض تقع لهم أو يخافون أمراً ، فيشتغلون به عن الفكرة ويعاقون ، فإن نفس أعراضهم عن الفكرة علاج لهم أصيل ، فإن كان السبب دروراً احتبس من طمث أو مقعدة أو غير ذلك فادرأ ، فإن حدث سقوط الشهوة فالعلة رديئة ، والجفاف مستول ، وإن عرضت في أبدانهم قروح دلّ على موت قريب . ومن كانت السوداء في بدنه منهم متحرّكة فهو أقبل للعلاج ممن لم تكن سوداؤه كذلك ، والذي تكون فيه السوداء متحركة فهو الذي يظهر سوداؤه في القيء ، وفي البراز ، والبول ، وفي لون الجلد ، والبهق ، والكلف ، والقروح ، والجرب ، والدوالي ، وداء الفيل ، والسيلان من المقعدة ونحو ذلك ، فإن ذلك كله يدل على أنه قاتل للتمييز عن الدم . وإذا ظهر بهم شيء من هذا فهو علامة خير ، وإذا عرض لبعضهم تشنّج بعد الإسهال والاستفراغ ، فإنهم أولى بذلك من غيرهم ليبسهم فيجب أن يقعدوا في ماء فاتر ويطعمون خبزاً منقوعاً في جلَّاب وقليل شراب ويسقوا ماء ممزوجاً ، ثم ينومون ويحمّمون بعده ، ثم يغذون كما يخرجون .