أبو علي سينا
275
القانون في الطب ( طبع بيروت )
فصل في فساد التخيل هو بعينه من الأسباب والعلامات الموصوفة في الأبواب الأخر ، إلا أنه في مقدم الدماغ ، وفساده ، إما بأن يتخيل ما ليس موجوداً ويرى أموراً لا وجود لها ، وذلك لغلبة مرار على مقدم الدماغ ، أو لغلبة سوء مزاج حار بلا مادة ، وإما أن ينقص التخيّل ويضعف عن تخيّل الأمور التخيّلية ولا يرى الرؤيا والأحلام إلا قليلًا ، وينساه وينسى صور المحسوسات كيف كانت ، ولا يتخيّلها ، ويكون سببه بعينه سبب نقصان الذكر ، إلا أن فساد الذكر إنما يكون أكثره عن البرد والرطوبة ، وأقله عن اليبوسة . والأمر ههنا بالعكس ، ولأن هذه الآلة خلقت ليّنة ليسرع انطباعها بما تتخيّله ، وتلك صلة ليعسر تخليتها عما انطبع فيها ، فالأمور تقع فيها بالضد ، وفساد الذكر يقع في معاني المحسوسات وبسبب تركيبها وفساد التخيّل ، يقع في مثل المحسوسات وأشباحها . وهذا يعلم من صناعة أخرى ، وأدل ما يدل على أن العلة من رطوبة أو يوبسة حال النوم والسهر ، وحال جفاف العين ، والأنف ورطوبته ، وحال لون اللسان ورطوبته أو جفافه ، وإذا كانت العلة فساد التخيل لا نقصانه فأنت يمكن أن تتعرّف أيضاً أنه عن سوداء أو صفراء أو مزاج حار مفرد بما قيل وعرف ، وأن المعالجات فبحسب المعالجات في العلل الماضية ، إلا أنَّ العلاج يجب أن يكون في ناحية مبادي الحسّ ، وإن احتيج إلى دلوك أو وضع حجامة إلى مقدم الدما ، فاعمل حسب ما تعلم . فصل في ألمانيا وداء الكَلْب تفسير ألمانيا هو الجنون السبعي ، وأما داء الكَلْب ، فإنه نوع منه يكون مع غضب مختلط بلعب وعبث وإيذاء مختلط باستعطاف كما هو من طبع الكلاب ، واعلم أن المادة الفاعلة للجنون السبعي هو من جوهر المادة الفاعلة للمالنخوليا ، لأن كليهما سوداويان ، إلا أن الفاعل للجنون السبعي سوداء محترق عن صفراء ، أو عن سوداء ، وهو أردأ . والفاعل للمالنخوليا سوداء طبيعية كثيرة ، أو احتراقية ، ولكن عن بلغم أو عن دم عذب ، وقليلًا ما يكون عن بلغم محترق وجنون ، وإن كان يكون عنه المالنخوليا . وأكثر ما يكون المالنخوليا إنما يكون بحصول المادة السوداوية في الأوعية ، وأكثر ما يكون ألمانيا إنما يكون بحصولها في مقدم الدماغ وجوهره ، لأنّ وصوله إلى الدماغ كوصول مادة قرانيطس ، ويكون المالنخوليا مع سوء ظن وفكر فاسد وخوف وسكون ولا يكون فيه اضطراب شديد . وإما ألمانيا فكله اضطراب وتوثّب وعبث وسبعية ونظر لا يشبه نظر الناس ، بل أشبه شيء به نظر السباع ، ويفارق صنفاً من قرانيطس يشبهه في جنون صاحبه ، بأنّ هذه العلة لا يكون معها حمى في أكثر الأمر ، وفرانيطس لا يخلو عنها ، وداء الكلب هو نوع من مانيا فيه معاسرة شديدة ، ومصاعبة مع مساعدة وموافقة معاً ، وليس فيه من الاعتقاد