أبو علي سينا
264
القانون في الطب ( طبع بيروت )
المقالة الرابعة أمراض الرأس وأكثر مضرتها في أفعال الحس والسياسة فصل في السبات والنوم يقال سبات للنوم المفرط الثقيل ، لا لكل مفرط ثقيل ، ولكن لما كان ثقله في المدّة والكيفية معاً ، حتى تكون مدّته أطول ، وهيئته أقوى ، فيصعب الانتباه عنه ، وإن نبّه ، فالنوم منه طبيعي في مقداره وكيفيته ، ومنه ثقيل ، ومنه سبات مستغرق . والنوم على الجملة ، رجوع الروح النفساني عن آلات الحسّ والحركة إلى مبدأ تتعطل معه آلاتها عن الرجوع بالفعل فيها ، إلا ما لا بدّ منه في بقاء الحياة ، وذلك في مثل آلات النفس . والنوم الطبيعي على الإطلاق ما كان رجوعه مع غور الروح الحيواني إلى باطن لإنضاج الغذاء ، فيتبعه الروح النفساني ، كما يقع في حركات الأجسام اللطيفة الممازجة لضرورة الخلاء ، وما كان أيضاً للراحة ، وليجتمع الروح إلى نفسه ريثما يغتذي ، وينمى ويزداد جوهره ، وينال عوض ما تحلّل في اليقظة منه ، وقريب من هذا ما يعرض لمن شارف الإقبال من مرضه ، فإنه يعرض له نوم غرق ، فيدل على سكون مرضه ، لكنه لا يدلّ في الأصحّاء على خير . وقد يعرض أيضاً من هذا القبيل لمن استفرغ كثيراً بالدواء ، وذلك النوم نافع له رادّ لقوّته ، وقد يعرض نوم ليس طبيعياً على الإطلاق ، وذلك إذا كان الرجوع إلى المبدأ ، لفرط تحلّل من الروح لا يحتمل جوهره الانبساط ، لفقد زيادته على ما يكفي الأصول ، بسبب التحلّل الواقع من الحركة فيغور ، كما يكون حال التعب والرياضة القوية ، وذلك لإستفراغ مفرط يعرض للروح النفساني ، فتحرص الطبيعة على إمساك ما في جوهرها إلى أن يلحقها من الغذاء مدد . والفرق بين هذا وبين الذي قبله ، كالفرق بين طلب البدن الصحيح للغذاء ليقوم بدل التحلّل الطبيعي منه ، وطلب البدن المدنف بالإسهال والنزف للغذاء ، فإن الأوّل من النومين يطلب بدل تحليل اليقظة ، وهو أمر طبيعي ، والثاني يطلب بدل تحليل التعب ، وهو غير طبيعي . وقد يعرض نوم غير طبيعي على الإطلاق أيضاً ، وهو أن يكون رجوع الروح النفساني عن الآلات بسبب مبرّد مضادّ لجوهر الروح ، إما من خارج ، وإما من الأدوية المبرّدة ، فتكتسب الآلات برداً منافياً لنفوذ الروح الحيواني فيها على وجهه ، أو مخدراً للتصبّب الحاصل فيها من الروح النفساني يفسد المزاج الذي به يقبل القوة النفسانية عن المبدأ ، فيعود الباقي غائراً من الضدّ ، ويتبلّد عن الانبساط لبرد المزاج ، وهذا هو الخدر . وقد يعرض أيضاً بسبب مرطّب للآلات ، مكدر لجوهر الروح ، سادّ لمسالكه ، مُرَخ لجواهر العصب والعضل إرخاء يتبعه سدد ، وانطباق ، فيكون مانعاً لنفوذ الروح ، لأن جوهر الروح نفسه قد غلظ وتكدر ، لأن الآلات قد فسدت بالرطوبة ولاسترخائها جميعاً ، وهذا نوم السكر .