أبو علي سينا

234

القانون في الطب ( طبع بيروت )

المزمن ولا شيء للصداع كالتوديع ، وترك كل ما يحرّك من الجماع ومن الفكر ، وغير ذلك . ويجب أن يجتهد في علاج الماديات منه في جذب المواد إلى أسفل ، ولو بالحقن الحارة ويجب أن تقوى ، حتى يمكنها أن تستفرغ من نواحي الكبد والمعدة ، ومن الأشياء القوية في جنب مادة الصداع إلى أسفل ، والتسليم من الصداع ، دلك الرجلين فإن كثيراً ما ينام عليه المصدوع وقد يلحّ على الرجل ، في ذلك إلى أن ينحلّ الصداع . وإذا أردت أن تستعمل أطلية وضمّادات وكانت العلة قوية مزمنة حارة كانت أو باردة ، فيجب أن يحلق الرأس ، وذلك أعون على نفوذ قوة الدواء فيه ، ومما يعين عليه تكليل اليافوخ ، إما بعجين أو بصوف ليحبس ما يصبّ عليه ، من الأشياء الرقيقة عن السيلان ، فيستوفي الدماغ منه الانتشاق ، ولا يسلب قوتها الهواء بسرعة . قال فيلغريوس : إن فصد العرق من الجبهة وإلزام الرأس المحاجم إلى أسفل ، ودلك الأطراف ووضعها في الماء الحار ، والتمشّي القليل وترك الأغذية النافخة ، والمبخرة البطيئة الهضم نافعة جداً لمن يؤثر أن يزول صداعه ولا يعاوده . أقول : وربما صببنا الماء الحار على أطراف المصدوع ونديم ذلك ، فيحس بأن الصداع ينزل من رأسه إلى أطرافه نزولًا ينحلّ معه . واعلم أن الأغذية الحامضة لا تلائم المصدوعين ، إلا ما كان من الصداع بمشاركة المعدة ، وكان ذلك الغذاء من جنس ما يدبغ فم المعدة ، ويقويه ويمنع انصباب المرار إليه ، وإذا صحب الصداع المزمن من الآلام مؤذ فانح في تدبيرك نحوه ، فإنه ربما كان ذلك العارض سبباً للزيادة في الأصل الذي عرض له العارض مثل السهر ، فإنه إذا عرض بسبب الصداع ثم اشتدّ ، كان من أسباب زيادة الصداع ، فيحتاج أن ننطله ، مثلًا يحتاج فيما مثلنا به أن يستعمل مثل دهن القرع ، ودهن الخلاف ، ودهن النيلوفر ، ومثل الألبان معطرة بالكافور وغيره . وربما احتجت في مثالنا إلى أن يخدر قليلًا وينوّم . وكل صداع صحبته نزلة فلا تمل إلى تبريد الرأس وترطيبه بالأدهان ونحوها ، بل أفزع إلى الاستفراغ وشدّ الأطراف ودلكها ووضعها في ماء حار ، وإذا أردت أن تجعل على الرأس ما ينفذ قوته إلى باطن الرأس ، فلا حاجة بك - كما علمت - إلى غير ناحية مقدّم الدماغ حيث الدرز الإكليلي ، وغير اليافوخ ، فعندهما يتوقع نفوذ ما ينفذ ، وأما مؤخّر الدماغ ، فإن العظم الذي يحيط به أصل من ذلك فلا ينفذ ما يحتاج إلى نفوذه إلى الدماغ ، فإن شدد في ذلك لم ينتفع به منفعة تزيد على المنتفع بها لو اقتصر على ناحية المقدم وحاق اليافوخ . ومع ذلك فإن كان الدواء مبرّداً ضرّ مبادي العصب وأصل النخاع ضرراً عنه غني . والصداع الضرباني قد يصحب الحار والبارد من الأورام ، وهو الذي كأنه ينبض ، فإن كان السبب حاراً ، فاستعمل المبرّدات التي فيها لين ، واستعمل أيضاً حجامة النقرة ، وإرسال العلق على الصدغين ، وربط الأطراف . وإن كان بارد أفل إلى ما يفش ، واخلط معه أيضاً ما فيه تقوية وبرد ماء مثل أن يخلط بدهن الورد سذاباً أو نعناعاً ، وإذا اشتد مثل هذا الصداع حتى يبلغ