أبو علي سينا

207

القانون في الطب ( طبع بيروت )

ما ليس موجوداً دل ضعفه وتعذره ، وبطلان فعله في الأكثر على إفراط برد أو يبس في مقدم الدماغ أو رطوبة . والبرد هو السبب بالذات والآخران سببان بالعرض لأنهما يجلبانه . ودل تغير فعله وتشوّشه على فضل حرارة وهذا كلّه بحسب أكثر الأمور وعلى نحو ما قيل في القوى الحساسة ، وقد يعرض هذا المرض لأصحاء العقل حتى تكون معرفتهم ميل والقبيح تامة وكلامهم مع الناس صحيحاً ، لكنهم يتخيّلون قوماً حضوراً ليسوا بموجودين خارجاً ، ويتخيّلون أصوات طبالين وغير ذلك كما حكى جالينوس ، أنه كان عرض لروطلس الطبيب ومنها فساد في قوة الفكر والتخيّل ، إما بطلان ويسمّى هذا : ذهاب العقل ، وإما ضعف ، ويسمى حمقاً ومبدؤهما برد مقدّم الدماغ أو يبوسته أو رطوبته ، وذلك في الأكثر على ما قيل وإما تغيّر وتشوّش حتى تكون فكرته في ما ليس . ويستصوب غير الصواب ويسمّى : اختلاط العقل فيدلّ : إما على صرم ، وإما على مادة ، صفراوية حارة يابسة ، وهو الجنون السبعي ويكون اختلاطه مع شرارة ، وإما على مادة سوداوية وهو المالنخوليا ويكون اختلاطه مع سوء ظن ومع فكر بلا تحصيل . والمائل من تلك الأخلاق إلى الجبن أدلّ على البردَ والمائل منها إلى الاجتراء والغضب ، أدلّ على الحر وبحسب الفروق التي بينها ونحن نوردها بعد ، وربما كان هذا بمشاركة عضو آخر . ويتعرف ذلك بالدلائل الجزئية التي نصفها بعد . وبالجملة إذا تحركت الأفكار حركات كثيرة ، وتشوشت وتفنّنت فهناك حرارة . وقد يقع أيضاً تشوّش الفكر في أمراض باردة المادة ، إذا لم تخل عن حرارة مثل اختلاط العقل في ليثرغس ، ومنها آفة في قوة الذكر إما بأن يضعف وإما بأن يبطل كما حكى جالينوس ، أن وباء حدث بناحية الحبشة كان عرض لهم بسبب جيف كثيرة بقيت بعد ملحمة بها شديدة ، فصار ذلك الوباء إلى بلاد يونان فعرض لهم أن وقع بسببه من النسيان ما نسي له الإنسان اسم نفسه وأبيه . وكثر ما يعرض من الضعف في الذكر ، يعرض لفساد في مؤخر الدماغ من برد أو رطوبة أو يبس ويتشوّش فيقع له أنه يذكر ما لم يكن له به عهد ، فيدلّ على مزاج حار مع مادة أو بلا مادة . والمادة اليابسة أولى بذلك . كل ذلك إذا لم يفرط المزاج فتسقط القوّة ، ونقول قولًا مجملًا أن بطلان هذه الأفاعيل ، ربما يكون لغلبة البرد إما على جرم الدماغ ، فيكون مما يستولي على الأيام أو على تجاويفه وقد يكون لبرد مع رطوبة وربما جلبه اليبس . وكذلك ضعفها وإما تغيرها فلورم أو مزاج صفراوي أو سوداوي ، أو جسم مجرد والاستدلال من أحوال الأحلام مما يليق أن يضاف إلى هذا الموضع ، فإن كثرة رؤية الأشياء الصفر والحارّة ، تدل على غلبة الصفراء وكذلك كثرة رؤية أشياء تناسب مزاجاً مزاجاً ولا يحتاج إلى تعديدها . والأحلام المتشوشة تدل على حرارة ويبوسة ، ولذلك تنذر بأمراض حارة دماغية وكذلك الأحلام المفزعة والتي لا تذكر تدل على برد ورطوبة في الأكثر ، ورؤية الأشياء كما هي تدل على ذلك .