أبو علي سينا

199

القانون في الطب ( طبع بيروت )

إدامة فن الأول من الكتاب الثالث من القانون في أمراض الرأس والدماغ وهو خمس مقالات المقالة الأولى في كليات أحكام أمراض الرأس والدماغ فصل في معرفة الرأس وأجزائه قال جالينوس : إن الغرض في خلقة الرأس ليس هو الدماغ ولا السمع ولا الشمّ ولا الذوق ولا اللمس ، فإن هذه الأعضاء والقوى موجودة في الحيوان العديم الرأس ، ولكن الغرض فيه هو حسن حال العين في تصرّفها الذي خلقت له . وليكون للعين مطلع ومشرف على الأعضاء كلّها في الجهات جميعها ، فإن قياس العين إلى البدن قريب من قياس الطليعة إلى العسكر . وأحسن المواضع للطلائع وأصلحها هو الموضع المشرف ثم أيضاً لا حاجة إلى خلق الرأس لكل عين على الإطلاق ، بل للحيوان اللين العين المحتاجة عينه إلى فضل حرز ووثاقة موضع ، فإن كثيراً من الحيوانات العديمة الأرؤس خلق له زائدتان مشرفتان من البدن ، وهندم عليهما عينان ليكون لكل منهما مطلع ومشرف لبصره ثم لم يحتج في تصرفات عينه إلى خلقة رأس لصلابة مقلته ، وإنما الحاجة إلى الرأس للحيوانات التي تحتاج أعينهم إلى كنّ وتحتاج إلى أن تأتيها أعصاب لحركات شتّى من حركات المقلة والأجفان ، لا يصلح لمثلها عضو واحد متباعد متضائل ونحن نستقصي ذلك في باب العين وأجزاء الرأس الذاتية وما يتبعها هي : الشعر ثم الجلد ثم اللحم ثم الغشاء ثم القحف ثم الغشاء الصلب ثم الغشاء الرقيق المشيمي ثم الدماغ جوهره وبطونه ، وما فيه ثم الغشاءان تحته ثم الشبكة ثم العظم الذي هو القاعدة للدماغ . فصل في تشريح الدماغ فأما تشريح الدماغ ، فإن الدماغ ينقسم إلى جوهر حجابيّ وإلى جوهر مخي وإلى تجاويف فيه مملوءة روحاً . وأما الأعصاب ، فهي كالفروع المنبعثة عنه لأعلى ، إنها أجزاء الخاص به . وجميع الدماغ منصّف في طوله تنصيفاً نافذاً في حجبه ومخّه وبطونه لما في التزويج من المنفعة المعلومة ، وإن كانت الزوجية في البطن المقدم وحده أظهر للحس ، وقد جوهر الدماغ بارداً رطباً .