أبو علي سينا

87

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الجملة الرابعة الشرايين وهي خمسة فصول الفصل الأول صفة الشرايين العروق الضوارب ، وهي الشرايين خلقت إلا واحدة منها ، ذات صفاقين ، وأصلبهما المستبطن إذ هو الملاقي للضربان . وحركة جوهر الروح القوية المقصود صيانة جوهره وإحرازه وتقوية وعائه ومنبت الشرايين هو من التجويف الأيسر من تجويفي القلب ، لأن الأيمن منه أقرب من الكبد ، فوجب أن يجعل مشغولًا بجذب الغذاء واستعماله . الفصل الثاني تشريح الشريان الوريدي وأوّل ما ينبت من التجويف الأيسر شريانان : أحدهما يأتي الرئة وينقسم فيها لاستنشاق النسيم وإيصال الدم الذي يغذو الرئة إلى الرئة من القلب ، فإن ممر غذاء الرئة هو القلب ، ومن القلب يصل إلى الرئة ، ومنبت هذا القسم هو من أرق أجزاء القلب ، وحيث تنفذ فيه الأوردة إليه ، وهو ذو طبقة واحدة بخلاف سائر الشرايين ، ولهذا يسمى الشريان الوريدي ، وإنما خلق من طبقة واحدة ليكون ألين وأسلس وأطوع للانبساط والانقباض وليكون أطوع لترشح ما يترشح منه إلى الرئة من الدم اللطيف البخاري الملائم لجوهر الرئة الذي قد قارب كمال النضج في القلب . وليس يحتاج إلى فضل نضج كحاجة الدم الجاري في الوريد الأجوف الذي نورده ، وخصوصاً إذ مكانه من القلب قريب فتتأدى إليه قوته الحارة المنضجة بسهولة ، وأيضاً فإن العضو الذي ينبض فيه عضو سخيف لا يخشى مصادمته لذلك السخيف عند النبض أن تؤثر فيه صلابته ، فاستغنى لذلك عن تثخين لجرمه ما لا يستغنى عنه في كل ما يجاور من الشرايين سائر الأعضاء الصلبة . وأما الوريد الشرياني الذي نذكره فإنه وإن كان مجاوراً للرئة فإنما يجاور منه مؤخره مما يلي الصلب وهذا الشريان الوريدي إنما يتفرق في مقدم الرئة ويغوص فيها وقد صار أجزاء وشعباً ، بل إذا قيس بين حاجتي هذا الشريان إلى الوثاقة وإلى السلاسة المسهلة عليه الانبساط والانقباض ، ورشح ما يرشح منه وجدت الحاجة إلى التسليس أمس منها إلى التوثيق والتثخين . وأما الشريان الآخر وهو الأكبر ويسميه " ارسطوطالس " ، أورطي فأول ما ينبت من القلب يرسل شعبتين أكبرهما تستدير حول القلب وتتفرق في أجزائه ، والأصغر يستدير ويتفرق في التجويف الأيمن ، وما يبقى بعد الشعبتين ، فإنه إذا انفصل انقسم قسمين : قسم أعظم مرشح للإنحدار ، وقسم أصغر مرشح للإصعاد . وإنما خلق المرشح للإنحدار زائداً في مقداره على الآخر لأنه يؤم أعضاء هي أكثر عدداً وأعظم مقادير وهي الأعضاء الموضوعة دون القلب . وعلى مخرج أورطي أغشية ثلاثة صلبة هي من داخل إلى خارج . فلو كانت واحدة أو اثنتين لما كانت تبلغ المنفعة المقصودة فيها إلا بتعظيم مقداره أو مقدارها ، فكانت الحركة تثقل بهما ولو كانت أربعة لصغرت