أبو علي سينا
53
القانون في الطب ( طبع بيروت )
الكثيرة إقلال ما تحتها ، فلذلك أيضاً سلست مفاصل خرزتها بالقياس إلى مفاصل ما تحتها ، ولأن ما يفوتها من الوثاقة بالسلاسة قد يرجع إليها مثله أو كثر منه من جهة ما يحيط بها ويجري عليها من العصب والعضل والعروق فيغني ذلك عن تأكيد الوثاقة في المفصال . ولما قلّت الحاجة إلى شدّة توثيق المفاصل ، وكفى المقدار المحتاج إليه بما فعل ، لم تخلق زوائدها المفصلية الشاخصة إلى فوق وأسفل عظيمة كثيرة العرض كما للواتي تحت العنق ، بل جعلت قواعدها أطول ورباطاتها أسلس ، وجعل مخارج العصب منها مشتركة على ما ذكرنا إذ لم تحتمل كل فقرة منها لرقتها وصغرها وسعة مجرى النخاع فيها ثقباً خاصة إلا التي نستثنيها ونبين حالها . فنقول الآن : إن خرز العنق سبع بالعدد ، فقد كان هذا المقدار معتدلًا في العدد والطول ، ولكل واحدة منها - إلا الأولى - جميع الزوائد الإحدى عشرة المذكورة ، سنسنة وجناحان وأربع زوائد مفصلية شاخصة إلى فوق ، وأربع شاخصة إلى أسفل ، وكل جناح ذو شعبتين . ودائرة مخرج العصب تنقسم بين كل فقرتين بالنصف ، لكن للخرزة الأولى والثانية خواص ليست لغيرهما ، ويجب أن تعلم أولًا أن حركة الرأس يمنة ويسرة تلتئم بالمفصل الذي بينه وبين الفقرة الأولى ، وحركتها من قدام ومن خلف بالمفصل الذي بينه وبين الفقرة الثانية ، فيجب أن نتكلم أولًا في المفصل الأول فنقول : إنه قد خلق على شاخصتي الفقرة الأولى من جانبيه إلى فوق نقرتان يدخل فيهما زائدتان من عظم الرأس ، فإذا ارتفعت إحداهما وغارت الأخرى مال الرأس إلى الغائرة ولم يمكن أن يكون المفصل الثاني على هذه الفقرة ، فجعل له فقرة أخرى على حدة وهي التالية ، وأنبت من جانبها المتقدم الذي إلى الباطن زائدة طويلة صلبة تجوز وتنفذ في ثقبة الأولى قدام النخاع . والثقبة مشتركة بينهما وهي - أعني الثقبة من الخلف إلى القدام - أطول منها ما بين اليمين والشمال وذلك لأن فيما بين القدام والخلف نافذان يأخذان من المكان فوق مكان النافذ الواحد . وأما تقدير العرض فهو بحسب أكبر نافذ واحد منهما ، وهذه الزائدة تسمى السن وقد حجب النخاع عنها برباطات قوية أنبتت لتفرز ناحية السن من ناحية النخاع ، لئلا يشدخ السن النخاع بحركتها ولا يضغطه ، ثم إن هذه الزائدة تطلع من الفقرة الأولى وتغوص في نَقرة في عظم الرأس وتستدير عليها النقرة التي في عظم الرأس ، وبها تكون حركة الرأس إلى قدام من خلف . وهذه السن إنما أنبتت إلى قدام لمنفعتين : إحداهما لتكون أحرز لها ، والثانية ليكون الجانِب الأرق من الخرزة داخلًا لا خارجاً . وخاصية الفقرة الأولى أنها لا سنسنة لها لئلّا تثقلها ولئلّا تتعرض بسببها للآفات فإن الزائدة الدافعة عما هو أقوى هي بعينها الجالبة للكسر والآفات إلى ما هو أضعف وأيضاً لئلا يشدخ العضل والعصب الكثير الموضوع حولها مع أن الحاجة ههنا إلى شوك واقٍ قليلة ، وذلك لأن هذه الفقرة كالغائصة المدفونة في وقايات نائية عن منال