أبو علي سينا

36

القانون في الطب ( طبع بيروت )

وأما المنفعة فمنفعتان : إحداهما غسلها المعي من الثفل والبلغم اللزج ، والثانية لذعها المعي ولذعها عضل المقعدة لتحس بالحاجة وتحوج إلى النهوض للتبرز . ولذلك ربما عرض قولنج بسبب سدة تقع في المجرى المنحدر من المرارة إلى المعي . وأما الصفراء الغير الطبيعي : فمنها ما خروجه من الطبيعة سبب غريب مخالط ، ومنها ما خروجه عن الطبيعة بسبب في نفسه بأنه في جوهره غير طبيعي . والقسم الأول منه ما هو معروف مشهور وهو الذي يكون الغريب المخالط له بلغماً وتولده في أكثر الأمر في الكبد ، ومنه ما هو أقل شهرة وهو الذي يكون الغريب المخالط له سوداء ، والمعروف المشهور هو إما المرة الصفراء ، وإما المرّة المحية ، وذلك لأن البلغم الذي يخالطه ربما كان رقيقاً فحدث منه الأولى ، وربما كان غليظاً فحدثت منه الثانية ، أي الصفراء الشبيهة بمح البيض . وأما الذي هو أقل شهرة فهو الذي يسمى صفراء محترقة . وحدوثه على وجهين : أحدهما أن تحترق الصفراء في نفسها فيحدث فيها رمادية ، فلا يتميز لَطِيفُها من رماديتها بل تحتبس الرمادية فيها وهذا شر ، وهذا القسم يسقى صفراء محترقة . والثاني : أن تكون السوداء وردت عليه من خارج فخالطته ، وهذا أسلم . ولون هذا الصنف من الصفراء أحمر ، لكنه غير ناصع ولا مشرق ، بل أشبه بالدم ، إلا أنه رقيق وقد يتغير عن لونه لأسباب . وأما الخارج عن الطبيعة في جوهره فمنه ما تولّد أكثر ما يتولد منه في الكبد ، ومنه ما تولّد أكثر ما يتولّد منه في المعدة ، والذي تولد أكثر ما يتولد منه في الكبد هو صنف واحد وهو اللطيف من الدم إذا احترق وبقي كثيفة سوداء ، والذي تولّد أكثر ما يتولد منه مما هو في المعدة هو على قسمين : كرّاثي ، وزنجاري ، والكرّاثي يشبه أن يكون متولداً من احتراق المحّي فإنه إذا احترق أحدث فيها الاحتراق سواداً وخالط الصفرة فتولّد فيما بين ذلك الخضرة . وأما الزنجاري فيشبه أن يكون متولداً من الكرَاثي إذا اشتد احتراقه حتى فنيت رطوباته وأخذ يضرب إلى البياض لتجفّفه ، فإن الحرارة تحدث أوَلًا في الجسم الرطب سواداً ، ثم يسلخ عنه السواد إذا جعلت تفني رطوبته وإذا أفرطت في ذلك بيضَتْهُ . تأمل هذا في الحطب يتفحم أوَلا " ، ثم يترمد ، وذلك لأن الحرارة تفعل في الرطب سواداً ، وفي ضده بياضاً . والبرودة تفعل في الرطب بياضاً ، وفي ضده سواداً . وهذان الحكمان مني في الكراثي والزنجاري تخمين . وهذا النوع الزنجاري أسخن أنواع الصفراء وأردؤها وأقتلها . ويقال إنه من جوهر السمون . وأما السوداء فمنها ما هو طبيعي ومنها فضل غير طبيعي . و الطبيعي دردي الدم المحمود وثفله وعكره . وطعمه بين حلاوة وعفوصة . وإذا تولد في الكبد توزعّ إلى قسمين : فقسم منه ينفذ مع الدم وقسم يتوجَّه نحو الطحال . والقسم النافذ منه مع الدم ينفذ لضرورة ومنفعة . أما الضرورة فليختلط بالدم بالمقدار الواجب في تغذية عضو من الأعضاء التي يجب أن يقع في مزاجها جزء صالح من السوداء مثل العظام . وأما المنفعة فهي أنه يشد الدم ويقويه ويكثفه ويمنعه من التحلل . والقسم النافذ منه إلى الطحال وهو ما استغنى عنه الدم ينفذ أيضاً لضرورة ومنفعة . أما الضرورة