أبو علي سينا
310
القانون في الطب ( طبع بيروت )
وحدّتها بما يتحلّل من الجوهر الناري المستكن فيها ، مثل الزاجات والقلقطار . وأما الأدوية التي جواهرها كثيفة وقوتها غير حارة ولا حادّة ، فإن الإحراق يفيدها قوة حادة ، مثل النورة ، فإنها كانت حجراً لا حدّة فيه ، فلما أحرق استحال حاداً . فالدواء يُحْرَق لأحد أغراض خمسة : إما لأن يكسر من حدته ، وإما لأن يفاد حدّة ، وإما لتلطيف جوهره الكثيف ، وإما لأن يهيأ للسحق ، وإما لأن تبطل رداءة في جوهره : مثال الأول : الزاج والقلقطار ، ومثال الثاني : النورة ، ومثال الثالث : السرطان وقرن الإيل الذي يحرق ، ومثال الرابع : الإبريسم ، فإنه يستعمل في تقوية القلب ، وإن يستعمل مقرضاً أولى من أن يستعمل محرقاً ، لكنه لا يبلغ التقريض من تصغير أجزائه مبلغاً كافياً إلا بصعوبة فيحرق ، ومثال الخامس : إحراق العقرب في غرض استعماله للحصاة . فأما الغسل فإنه يسلب كل دواء ما يخالطه من الجوهر الحاد اللطيف ، ويسكن منه ويعدله . فمنه ما يبرد به بعد الحرارة المفرطة ، وهذا كل دواء أرضي استفاد من الإحراق نارية ، فإن الغسل يبرئه عنها ، مثل النورة المغسولة ، فإنها تبقى معتدلة ، ويزول إحراقها . ومنه ما ليس الغرض تبريده فقط ، بل الغرض منه التمكن من تصغير أجزائه وتصقيلها حتى يبلغ الغاية مثل سحق التوتيا في الماء . ومنه ما يغسل لتفارقه قوة لا تراد ، مثل الاستقصاء في غسل الحجر الأرمني واللازورد حتى تفارقها القوة المغثية . وأما الجمود : فإن كل دواء جمد ، فالقوة اللطيفة فيه تبطل وتزداد برداً إن كان بارد الجوهر . وأما المجاورة ، فإن الأدوية قد تكتسب بالمجاورة كيفيات غريبة حتى تستحيل أفعالها ، فإن كثيراً من الأدوية الباردة تصير حارة التأثير لاستفادتها من مجاورة الحلتيت والإفربيون والجندبيدستر والمسك كيفية حارة . وكثير من الأدوية الحارة تصير باردة التأثير لاستفادتها من مجاورة الكافور والصندل كيفية باردة . فيجب أن يعلم هذا من أمر الأدوية ويجتنب الأجناس المختلفة بعضها من مجاورة بعض . وأما أحكام الممازجة : فإن الأدوية تقوّي أفعالها بالممازجة ، وتارة تبطل أفعالها بالممازجة ، وتارة تصلح وتزول غوائلها . مثال الأول : أن بعض الأدوية يكون فيه قوة مسهلة ، إلا أنها تحتاج إلى معين إذ ليس لها في طبعها معين قوي ، فإذا قارنها المعين فعلت بقوة مثل التربد ، فإذا له قوة مسهلة ، لكنه ضعيف الحدة فلا يقوى على تحليل شديد ، فيستفرغ ما حضر من رقيق البلغم ، فإذا قرن به الزنجبيل أسهل بمعونة حدته خلطاً كثيراً لزجاً بارداً زجاجياً وأسرع إسهاله . وكذلك الأفتيمون بطيء الإسهال ، فإذا قارنه الفلفل والأدوية اللطيفة أسهل بسرعة ، لأنها تعينه في التحليل ، وكذلك الزراوند فيه قوة قابضة قوية ، إلا أن معها قوة مفتحة تنقص من فعلها ، فإن خلط بالطين الأرمني ، أو بالأقاقيا قبض قبضاً شديداً ، وقد يخلط للتنفيذ والبذرقة ،