أبو علي سينا

294

القانون في الطب ( طبع بيروت )

المقالة الثانية في تعرف قوى أمزجة الأدوية بالتجربة الأدوية تتعرّف قواها من طريقين : أحدهما : طريق القياس ، والآخر : طريق التجربة . ولنقدم الكلام في التجربة فنقول : إن التجربة إنما تهدي إلى معرفة قوة الدواء بالثقة بعد مراعاة شرائط : إحداها : أن يكون الدواء خالياً عن كيفية مكتسبةِ ، إما حرارة عارضة ، أو برودة عارضة ، أو كيفية عرضت لها باستحالة في جوهرها ، أو مقارنة لغيرها ، فإن الماء وإن كان بارداً بالطبع فإذا سُخن سَخَّن ما دام سَخِيناً ، والفربيون وأن كان حاراً بالطبع فإنه إذا بَرَدَ برَدَ ما دام بارداً ، واللوز وأن كان إلى الاعتدال لطيفاً فإذا زنخ سخن بقوة ، ولحم السمك وإن كان بارداً فإذا ملحَ سخن بقوة . والثاني : أن يكون المجرب عليه علَة مفردة ، فإنها إن كانت علة مركبة وفيها أمران يقتضيان علاجين متضادين ، فجرب عليهما الدواء ، فنفع لم يدر السبب في ذلك بالحقيقة مثاله ، إذا كان بالإنسان حمى بلغمية فسقيناه الغاريقون ، فزالت حماه ، لم يجب أن يحكم أن الغاريقون بارد لأنه نفع من علة حارة وهي الحمى ، بل عسى إنما نفع لتحليله المادة البلغمية أو استفراغه إياه ، فلما نفدت المادة ، زالت الحمى ، وهذا بالحقيقة نفع بالذات ، مخلوط بالعرض . أما بالذات ، فبالقياس إلى المادق ، وأما بالعرض ، فبالقياس إلى الحمى . والثالث : أن يكون الدواء قد جرب على المضادة حتى إن كان ينفع منهما جميعاً ، لم يحكم أنه مضاد المزاج لمزاج أحدهما ، وربما كان نفعه من أحدهما بالذات ، ومن الآخر بالعرض ، كالسقمونيا لو جزبناه على مرض بارد لم يبعد أن ينفع ، ويسخن ، وإذا جربناه على مرض حار ، كحمى الغب لم يبعد أن ينفع باستفراغ الصفراء ، فإذا كان كذلك لم تفدنا التجربة ثقة بحرارته أو برودته ، إلا بعد أن يعلم أنه فعل أحد الأمرين بالذات ، وفعل الآخر بالعرض . والرابع : أن تكون القوة في الدواء مقابلًا بها ما يساويها من قوة العلّة ، فإن بعض الأدوية تقصر حرارتها عن برودة علة ما فلا يؤثر فيها البتة ، وربما كانت عند استعمالها في برودة أخفّ منها فعالة للتسخين ، فيجب أن يجرب أولًا على الأضعف ويتدرج يسيرا يسيراً حتى تعلم قوة الدواء ولا يشكل . والخامس : أن يراعى الزمان الذي يظهر فيه أثره وفعله ، فإن كان مع أول استعماله ، أقنع أنه يفعل ذلك بالذات ، وإن كان أول ما يظهر منه فعل مضاد لما يظهر أخيراً أو يكون في أول الأمر لا يظهر منه فعل ، ثم في اًخر الأمر يظهر منه فعل ، فهو موضع اشتباه وإشكال عسى اْن