أبو علي سينا

291

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الجملة الأولى في القوانين الطبيعية من أمر الأدوية المقالة الأولى في أمزجة الأدوية المفردة قد بينا في الكتاب الأول معنى قولنا : هذا الدواء حار ، وهذا الدواء بارد ، وهذا الدواء رطب ، وهذا الدواء يابس ، وبيّنا أن ذلك بالقياس إلى أبداننا . وصادرنا على أن جميع المركبات المعدنية والنباتية والحيوانية ، أركانها هي العناصر الأربعة ، وإنما تمتزج فيفعل بعضها في بعض حتى تستقر على تعادل ، أو على تغالب فيما بينها ، وإذا استقرت على شيء ، فذلك هو المزاج الحقيقي . وأن المزاج إذا حصل في المركّب هيأه لقبول القوى والكيفيات التي من شأنها أن تكون له بعد المزاج ، وبينا أن المزاج بالجملة على كم قسم هو ، وأن المزاج المعتدل في الناس ما ذا يراد به ، وأن المزاج المعتدل في الأدوية ما ذا يراد به ، وبينا أنه إنما يراد به أن البدن الإنساني إذا لاقاه ، وفعل فيه بحرارته الغريزية ، لم يبعد هو أن يؤثر في بدن الإنسان تبريداً ، أو تسخيناً ، أو ترطيباً ، أو تيبيساً فوق الذي في الإنسان ، لسنا نعني به أن مزاجه مثل مزاج الإنسان ، فإن مزاج الإنسان لا يكون إلا للإنسان . واعلم أن المزاج على نوعين : مزاج أوّل : هو أول مزاج يحدث عن العناصر . والمزاج الثاني هو المزاج الذي يحدث عن أشياء لها في أنفسها مزاج : كمثل مزاج الأدوية المركبة ، ومزاج الترياق ، فإن لكل دواء مفرد من أدوية الترياق مزاجاً يخصه ، ثم إذا اختلطت وتركبت حتى تتحد ويحصل لها مزاج ، حصل مزاج ثان ، وهذا المزاج الثاني ، ليس إنما يكون كله عن الصناعة ، بل قد يكون عن الطبيعة أيضاً ، فإن اللبنَ يمتزج بالحقيقة عن مائية وجبنية وسمنية ، وكل واحد من هذه الثلاثة غير بسيط في الطبع ، بل هو أيضاً ممتزج وله مزاج يخصه . وهذا المزاج الثاني هو من فعل الطبيعة لا من فعل الصناعة . والمزاج الثاني قد يكون على وجهين : إما مزاج قوي ، واما مزاج رخو . والمزاج القوي : مثل أن يكون كل واحد من البسيطين اتحد بالآخر اتحاداً يعسر تفريقه على حرارتنا الغريزية ، بل قد يكون منه ما يعسر تفريقه على حرارة النار ، مثل جرم الذهب فإن