أبو علي سينا

266

القانون في الطب ( طبع بيروت )

يقل فصده ليبقى لتحليل الحمى عدة ، فإن لم تكن شديدة الالتهاب وكانت عفنة ، فانظر إلى القوانين العشرة ، ثم تأمل القارورة ، فإن كان الماء غليظاً إلى الحمرة ، وكان أيضاً النبض عظيماً والسحنة منتفخة وليس يبادر الحمّى في حركتها ، فافصد على وقت خلاء من المعدة عن الطعام . وأما إن كان الماء رقيقاً أو نارياً أو كانت السحنة منخرطة منذ ابتداء المرض ، فإياك والفصد . وإن كان هناك فترات للحمّى ، فليكن الفصد ، واعتبر حال النافض ، فإذا كان النافض قوياً ، فإياك والفصد ، وتأمل لون الدم الذي يخرج ، فإن كان رقيقاً إلى البياض ، فاحبس في الوقت وتوق في الجملة لئلا يجلب على المريض أحد أمرين : تهييج الأخلاط المرارية وتهييج الأخلاط الباردة . وإذا وجب أن يفصد في الحمى ، فلا يلتفت إلى ما يقال أنه لا سبيل إليه بعد الرابع ، فسبيل إليه إن وجب ولو بعد الأربعين . هذا رأي " جالينوس " ، على أن التقديم والتعجيل أولى إذا صحت الدلائل ، فإن قصر في ذلك فأي وقت أدركته ووجب ، فافصد بعد مراعاة الأمور العشرة ، وكثيراً ما يكون الفصد في الحميات ، وأن لم يكن يحتاج إليه مقوياً للطبيعة على المادة بتقليلها ، هذا إذا كانت السحنة والسن والقوّة وغير ذلك ترخّص فيه . وأما الحمى الدموية فلا بد فيها من استفراغ بالفصد غير مفرط في الابتداء ومفرط عند النضج ، وكثيراً ما أقلعت في حال الفصد ، ويجب أن يحذر الفصد في المزاج الشديد البرد والبلاد الشديدة البرد وعند الوجع الشديد وبعد الاستحمام المحلل وبعقب الجماع وفي السن القاصر عن الرابع عشر ما أمكن ، وفي سن الشيخوخة ما أمكن ، اللهم إلا أن تثق بالسحنة واكتناز العضل وسعة العروق وامتلائها وحمرة الألوان فهؤلاء من المشايخ والأحداث نتجرأ على فصدهم . والأحداث يدرجون قليلًا قليلًا بفصد يسير ، ويجب أن يحذر الفصد في الأبدان الشديدة القضافة والشديدة السمن والمتخلخلة والبيض المترهلة والصفر العديمة الدم ما أمكن ، وتتوقاه في أبدان طالت عليها الأمراض ، إلا أن يكون فساد دمها يستدير ذلك فافصد وتأمل الدم ، فإن كان أسود ثخيناً فأخرج وإن رأيته أبيض رقيقاً فسد في الحال ، فإن في ذلك خطراً عظيماً ، ويجب أن تحذر الفصد على الامتلاء من الطعام كي لا تنجذب مادّة غير نضيجة إلى العروق بدل ما تستفرغ وأن تتوقّى ذلك أيضاً على امتلاء المعدة والمعى من الثقل المدرك ، أو المقارب ، بل تجتهد في استفراغه ، أما من المعدة وما يليها فبالقيء ، وأما من الأمعاء السفلى ، فيما يمكن ولو بالحقنة ، وتتوقى فصد صاحب التخمة ، بل تمهله إلى أن تنهضم تخمته . وصاحب ذكاء حس فم المعدة ، أو ضعف فمها ، أو الممنو يتولد المرار فيها ، فإن مثله يجب أن يتوقى التهور في فصده ، وخصوصاً على الريق . أما صاحب ذكاء حس فم المعدة فتعرفه بتأذّيه من بلع اللذاعات ، وصاحب ضعف فم المعدة تعرفه من ضعف شهوته وأوجاع فم معدته ، وصاحب قبول فم معدته للمرار والكثير تولدها فيها تعرفه من دوام غثيانه ، ومن قيئه المرار كل وقت ، ومن مرارة فمه فهؤلاء إذا فصدوا من غير سبق تعهد لفم معدتهم ، عرض من ذلك خطر عظيم ، وربما هلك منهم بعضهم ، فيجب أن يلقم صاحب ذكاء الحس ، وصاحب الضعف لقماً من خبز نقي مغموسة