أبو علي سينا

26

القانون في الطب ( طبع بيروت )

والقسم الأوّل : هو الاعتدال الذي للإنسان بالقياس إلى سائر الكائنات ، وهو شيء له عرض وليس منحصر في حد ، وليس ذلك أيضاً كيف اتفق بل له في الإفراط والتفريط حدان ، إذا خرج عنهما بطل المزاج عن أَن يكون مزاج إنسان . وأما الثاني : فهو الواسطة بين طرفي هذا المزاج العريض ويوجد في شخص في غاية الاعتدال من صنف في غاية الاعتدال في السنّ الذي يبلغ فيه النشوّ غاية النموّ ، وهذا أيضا " وإن لم يكن الاعتدال الحقيقي المذكور في ابتداء الفصل حتى يمتنع وجوده ، فإنه مما يعسر وجوده وهذا الإنسان أيضاً إنما يقرب من الاعتدال الحقيقي المذكور ، لا كيف اتفق ، ولكن تتكافأ أعضاؤه الحارة كالقلب ، والباردة كالدماغ ، والرطبة كالكبد ، واليابسة كالعظام ، فإذا توازنت وتعادلت ، قربت من الاعتدال الحقيقي ، وأما باعتبار كل عضو في نفسه ، إلا عضواً واحداً وهو الجلد على ما نصفه بعد . وإما بالقياس إلى الأرواح وإلى الأعضاء الرئيسة فليس يمكن أن يكون مقارباً لذلك الاعتدال الحقيقي بل خارجاً عنه إلى الحرارة والرطوبة . فإن مبدأ الحياة هو القلب والروح ، وهما حاران جداً مائلان إلى الإفراط . والحياة بالحرارة ، والنشوء بالرطوبة ، بل الحرارة تقوم بالرطوبة وتغتذي بها . والأعضاء الرئيسة ثلاثة كما سنبين بعد هذا ، والبارد منها واحد وهو الدماغ . وبرده لا يبلغ أن يعدل حر القلب والكبد . واليابس منها أو القريب من اليبوسة واحد وهو القلب ، ويبوسته لا تبلغ أن تعدل مزاج رطوبة الدماغ والكبد . وليس الدماغ أيضاً بذلك البارد ، ولا القلب أيضاً بذلك اليابس ، ولكن القلب بالقياس إلى الآخر يابس ، والدماغ بالقياس إلى الآخرين بارد . وأما القسم الثالث فهو أضيق عرضاً من القسم الأول ، أعني من الاعتدال النوعي إلا أن له عرضاً صالحاً وهو المزاج الصالح لأمةٍ من الأمم بحسب القياس إلى إقليم من الأقاليم ، وهواء من الأهوية ، فإن للهند مزاجاً يشمهلم يصحون به . وللصقالبة مزاجاً آخر يخصون به ويصحون به . كل واحد منهما معتدل بالقياس إلى صنفه ، وغير معتدل بالقياس إلى الآخر . فإن البدن الهندي إذا تكيف بمزاج الصقلابي مرض أو هلك . وكذلك حال البدن الصقلابي إذا تكيّف بمزاج الهندي . فيكون إذن لكل واحد من أصناف سكان المعمورة مزاج خاص يوافق هواء إقليمه ، وله عرض ولعرضه طرفا إفراط وتفريط . وأما القسم الرابع فهو الواسطة بين طرفي عرض مزاج الإقليم ، وهو أعدل أمزجة ذلك الصنف . وأما القسم الخامس فهو أضيق من القسم الأوّل والثالث ، وهو المزاج الذي يجب أن يكون لشخص معيّن حتى يكون موجوداً حيا " صحيحاً ، وله أيضاً عرض يحدّه طرفا إفراط وتفريط . ويجب أن تعلم أن كل شخص يستحق مزاجاً يخصّه يندر ، أو لا يمكن أن يشاركه فيه الآخر .