أبو علي سينا
253
القانون في الطب ( طبع بيروت )
إسهال ، أو قيء بسهولة قبل استعمال الدواء القوي من إحدى التدابير المفلحة . والإسهال والقيء لأصحاب هزال المراق صعب متعب خطر والدواء المقيء قد يعود مسهلًا إذا كانت المعدة قوية ، أو شرب على شدة جوع أو كان الشارب ذرباً ، أو ليّن الطبيعة ، أو غير معتاد للقيء ، أو كان الدواء ثقيل الجوهر سريع النزول . والمسهل يصير مقيئاً لضعف المعدة ، أو لشدة يبوسة الثقل ، أو لكون الدواء كريهاً وكون صاحبه ذا تخم ، وكل دواء مسهل إذا لم يسهل أو أسهل غير نضيج ، فإنه يحرك الخلط الذي يسهل ويثيره في البدن فيستولي على البدن ويستحيل إليه أخلاط أخرى ، فيكثر ذلك الخلط في البدن . ومن الأخلاط ما هو سريع الإجابة إلى القيء في أكثر الأمر ، كالصفراء ، ومنها ما هو مستعص على القيء ، كالسوداء ، ومنها ما له حال وحال كالبلغم . والمحموم إسهاله أصوب من تقيئه ، ومن كان خلطه نازلًا مثل أصحاب زلق الأمعاء ، فتقيؤه محال . وشر الأدوية المسهلة ما هو مركب من أدوية شديدة الاختلاف في زمن الإسهال ، فيضطرب الإسهال ، ويسهل الأول الثاني قبل أن يسهل الثاني ، وربما أسهل الأول نفس الثاني ، ومن تعرّض للإسهال والقيء وبدنه نقي ، لم يكن له بد من دوار ومغص وكرب يلحقه ، ويكون ما يستفرغ يستفرغ بصعوبة جداً . وبالجملة الدواء ما دام يستفرغ الفضول ، فإنه لا يكون معه اضطراب ، فإذا أخذ يضطرب فإنما يستفرغ غير الفضل ، وإذا تغير الخلط المستفرغ بقيء ، أو إسهال إلى خلط اخر دل على نقاء البدن من الخلط المراد استفراغه ، وإذا تغير إلى خراطة وشيء أسود منتن فهو رديء . والنوم إذا اشتدّ عقيب الإسهال والقيء ، دل على أن الاستفراغ والقيء نقي البدن تنقية بالغة ونفع . واعلم أن العطش إذا اشتد في الاسهال والقيء ، دل على مبالغة وبلوغ غاية وجودة تنقية . واعلم أن الدواء المسهل يسهل ما يسهله بقوة جاذبة تجنب ذلك الخلط نفسه ، فربما جذب الغليظ وخلى الرقيق كما يفعل المسهل للسوداء وليس قول من يقول : إنه يولد ما يجذبه أو أنه يجذب الأرق أولًا بشيء . وجالينوس مع رأيه هذا يطلق القول بأن المسهّل الذي لا سمية فيه إذا لم يسهّل واستمر ، ولد الخلط الذي يجذبه ، وليس هذا القول بسديد . ويظهر من حيث يحققه جالينوس ، أنه يرى أن بين الجاذب الدوائي والمجذوب الخلطي مشاكلة في الجوهر ، ولذلك يجذب وهذا غير صحيح . ولو كان الجنب بالمشاكلة لوجب أن يجذب الحديد الحديد إذا غلبه ، والذهب يجذب الذهب إذا كلبه بمقداره ، لكن الاستقصاء في هذا إلى غير الطبيب . واعلم أن الجاذب للأخلاط في شرب المسهّل والمقيّئ ، إنما هو في الطريق التي اندفعت فيها حتى تحصل في الأمعاء ، وهناك تتحرّك الطبيعة إلى دفعها إلى خارج . وقلما يتّفق عن الشرب لها أن تصعد إلى المعدة ، فإن صعدت مالت إلى القيء وإنما لا تصعد إلى المعدة لشيئين : أحدهما : أن الدواء المسهل سريع النفود إلى الأمعاء .