أبو علي سينا

234

القانون في الطب ( طبع بيروت )

التعليم الرابع في تدبير بدن من مزاجه فاضل وهو خمسة فصول الفصل الأول استصلاح المزاج الأزيد حرارة نقول : إن سوء المزاج الحار ، إما أن يكون مع اعتدال من المنفعلين أو غلبة يبوسة أو رطوبة ، وإذا اعتدلت المنفعلتان عرفنا أن زيادة الحرارة إلى حد وليست بمفرطة ، وإلا لجففت . وأما الحار مع اليبوسة ، فيجوز أن يبقى هذا المزاج بحاله مدة طويلة . وأما الحار مع الرطوبة ، فإن اجتماعهما لا يطول ، فتارة تغلب الرطوبة الحرارة فتطفئها ، وتارة تغلب الحرارة الرطوبة فتجففها . فإن غلبت الرطوبة ، فإن صاحبها يصلح حاله عند المنتهى في الشباب ويصير معتدلًا فيهما . فإذا انحط أخذت الرطوبة الغريبة تزداد والحرارة تنقص . فنقول : إن جملة تدبير حارّي المزاج منحصرة في غرضين : أحدهما : أن نردهم إلى الاعتدال ، والثاني : أن نستحفظ صحتهم على ما هي عليه . أما الأول ، فإنما يتيسر للوادعين المكفيين الموطنين أنفسهم على صبر طويل مدة رجوعهم بالتدريج إلى الاعتدال ، لأن من يردّهم من غير تدريج يمرض أبدانهم . وأما الثاني ، فإنما يمكن تدبيرهم بأغذية تشاكل مزاجهم حتى تحفظ الصحة الموجودة لهم ، فمن كان من حاري المزاج معتدلًا في المنفعلتين كانوا أدنى إلى الصحة في ابتداء أمرهم ، وكان مزاجهم أسرع لنبات أسنانهم وشعورهم ، وكانوا ذوي بيان ولسن وسرعة في المشي . ثم إذا أفرط عليهم الحر وزاد اليبس ، حدث لهم مزاج لذاع . وكثير منهم يتولد فيهم المرار كثيراً ، وتدبيرهم في السن الأول هو تدبير المعتدلين ، فإذا انتقلوا نقلوا إلى تدبير من يرام إدرار بوله واستفراغ مراره ، ومن الجهة التي تميل إليها فضولهم جهتي الإسهال أو القيء . وإذا لم تف الطبيعة بإمالة الخلط إلى الاستفراغ أعينت بأشياء خفية . أما القيء فبمثل شرب الماء الحار الكثير وحده أو مع النبذ ، وأما الإسهال فمثل البنفسج المربى والتمر الهندي والشيرخشك والترنجبين . ويجب أن تخفف رياضتهم وأن يغذوا بغذاء حسن الكيموس ، وربما وجب أن يثلثوا الاستحمام في اليوم ، ويجب أن يجنبوا كل سبب مسخن . وإن لم يورثهم الاستحمام عقيب الطعام تمدداً أو تعقداً في ناحية الكبد والبطن ، استعملوه على أمن . وأما إن عرض شيء من ذلك ، فعليهم باستعمال المفتحات مثل نقيع الأفسنتين وداء الصبر والأنيسون واللوز المر والسكنجبين ، ويمنعوا عن الاستحمام بعد الطعام . ويجب أن يسقوا هذه المفتحات بعد انهضام الطعام الأوّل وقبل أخذهم الطعام الثاني ، بل في وقت بينهم فيه وبين أخذ الطعام الثاني فسحة مدّة وذلك ما بين انتباههم بالغدوات واستحمامهم