أبو علي سينا

21

القانون في الطب ( طبع بيروت )

الفن الأول من الكتاب الأول في حد الطب وموضاعاته من الأمور الطبيعية يشتمل على ستة تعاليم [ التعليم الأول ] الفصل الأول من التعليم الأول من الفن الأول من الكتاب الأول من كتاب القانون في حدّ الطب أقول : إن الطب علم يتعرف منه أحوال بدن الإنسان من جهة ما يصح ويزول عن الصحة ، ليحفظ الصحة حاصلة ، ويستردها زائلة . ولقائل أن يقول أن الطب ينقسم إلى نظر وعمل ، وأنتم قد جعلتم كله نظراً ، إذ قلتم أنه علم . وحينئذ نجيبه ونقول إنه يقال إن من الصناعات ما هو نظري وعملي ، ومن الحكمة ما هو نظري وعملي ، ويقال إن من الطب ما هو نظري وعملي . ويكون المراد في كل قسمة بلفظ النظري والعملي شيئاً أخر ، ولا نحتاج ألان إلى بيان اختلاف المراد في ذلك إلا في الطب . فإذا قيل إن من الطب ما هو نظري ، ومنه ما هو عملي ، فلا يجب أن يظن أن مرادهم فيه هو أن أحد قسمي الطب هو تعليم العلم ، والقسم الآخر هو المباشرة للعمل ، كما يذهب إليه وهم كثير من الباحثين عن هذا الموضع ، بل يحق عليك أن تعلم أن المراد من ذلك شيء آخر : وهو أنه ليس واحد من قسمي الطب إلا علماً ، لكن أحدهما علم أصول الطب ، والآخر علم كيفية مباشرته . ثم يخصّ الأوَل منهما باسم العلم ، أو باسم النظر ، ويخص الأخر باسم العمل . فنعني بالنظر منه ، ما يكون التعليم فيه مقيد الاعتقاد فقط ، من غير أن يتعرض لبيان كيفية عمل ، مثل ما يقال في الطب : إن أصناف الحمّيات ثلاثة ، وإن الأمزجة تسعة . ونعني بالعمل منه ، لا العمل بالفعل ، ولا مزاولة الحركات البدنية ، بل القسم من علم الطب الذي يفيد التعليم فيه رأياً . ذلك الرأي متعلق ببيان كيفية عمل مثل ما يقال في الطبّ ، إن الأورام الحارة يجب أن يقرب إليها في الابتداء ما يردح ويبرد ويكشف . ثم من بعد ذلك ، تمزج الرادعات بالمرخيات . ثم بعد الانتهاء إلى الانحطاط ، يقتصر على المرخيات المحللة ، إلا في أورام تكون عن مواد تدفعها الأعضاء الرئيسة . فهذا التعليم يفيدك رأياً : هو بيان كيفية عمل ، فإذا عملت هذين القسمين ، فقد حصل لك علم علميّ ، وعلم عمليّ ، وإن لم تعمل قط . وليس لقائل أن يقول إن أحوال بدن الإنسان ثلاث : الصحة ، والمرض ، وحالة ثالثة لا صحة ولا مرض ، وأنت اقتصرت على قسمين ، فإن هذا القائل لعله إذا فكر ، لم يجد أحد الأمرين واجباً ، لا هذا التثليث ، ولا إخلالنا به . ثم إنه إن كان هذا التثليث واجباً ، فإن قولنا : الزوال عن الصحة يتضمن المرض ، والحالة الثالثة التي جعلوها ليس لها حدّ الصحة ، إذ الصحة ملكة أو حالة تصدر عنها الأفعال من الموضوع لها سليمة ، ولا لها مقابل هذا الحد إلا أن