أبو علي سينا

207

القانون في الطب ( طبع بيروت )

يشتهيه ويحنّ إليه فيقرب إليه ، وما الذي يكرهه فينحى عن وجهه ، وفي ذلك منفعتان : إحداهما في نفسه بأن ينشأ من الطفولة حسن الأخلاق ويصير ذلك له ملكة لازمة . والثانية لبدنه فإنه كما أن الأخلاق الرديئة تابعة لأنواع سوء المزاج ، فكذلك إذا حدثت عن العادة استتبعت سوء المزاج المناسب لها ، فإن الغضب يسخن جداً ، والغم يجفف جداً ، والتبليد يرخي القوة النفسانية وتميل بالمزاج إلى البلغمية ، ففي تعديل الأخلاق حفظ الصحة للنفس والبدن جميعاً معاً ، وإذا انتبه الصبي من نومه فالأحرى أن يستحم ثم يخلّى بينه وبين اللعب ساعة ، ثم يطعم شيئاً يسيراً ثم يطلق له اللعب الأطول ، ثم يستحمّ ، ثم يغذّى ، ويجنبون ما أمكن شرب الماء على الطعام لئلا ينفذه فيهم نيئاً قبل الهضم . وإذا أتى عليه من أحواله ست سنين فيجب أن يقدم إلى المؤدب والمعلم ويدرج أيضاً في ذلك ولا يحكم عليه بملازمة الكتاب كرة واحدة ، فإذا بلغ سنهم هذا السن نقص من إجمامهم وزيد في تعبهم قبل الطعام ، وجنبوا النبيذ خصوصاً إن كان أحدهم حار المزاج مرطوبه لأن المضرة التي تبقى من النبيذ ، وهي توليد المرار في ضاربيه ، تسرع إليهم بسهولة ، والمنفعة المتوقعة من سقيه ، وهي إدرار المرار منهم أو ترطيب مفاصلهم غير مطلوبة فيهم ، لأن مرارهم لا تكثر حتى تستدر بالبول ولأن مفاصلهم مستغنية عن الترطيب ، وليطلق لهم من الماء البارد العذب النقي شهوتهم ، ويكون هذا هو النهج في تدبيرهم إلى أن يوافوا الرابع عشر من سنيهم مع الإحاطة بما هو ذاتي لهم كل يوم من تنقص الرطوبات والتجفف والتصلّب ، فيدرجون في تقليل الرياضة وهجر المعنفة منها ما بين سن الصبا إلى سن الترعرع ويلزمون المعتدل . وبعد هذا السن تدبيرهم هو تدبير الإنماء وحفظ صحة أبدانهم . فلننتقل إليه ولنقدم القول في الأشياء التي فيها ملاك الأمر في تدبير الأصحاء البالغين ولنبدأه بالرياضة . التعليم الثاني في التدبير المشترك للبالغين وهو سبعة عشر فصلًا الفصل الأول جملة القول في الرياضة ما كان معظم تدبير حفظ الصحة هو أن يرتاض ، ثم تدبير الغذاء ، ثم تدبير النوم ، وجب أن نبدأ بالكلام في الرياضة ، فنقول : الرياضة هي حركة إرادية تضطر إلى التنفس العظيم المتواتر ، والموفق لاستعمالها على جهة اعتدالها في وقتها به غناء عن كل علاج تقتضيه الأمراض المادّية ، والأمراض المزاجية التي تتبعها ، وتحدث عنها ، وذلك إذا كان سائر تدبيره موافقاً صواباً . وبيان هذا هو أنا كما علمت مضطرون إلى الغذاء وحفظ صحتنا هو بالغذاء الملائم لنا المعتدل في كميته وكيفيته وليس شيء من الأغذية بالقوة يستحيل بكليته إلى الغذاء بالفعل ، بل يفضل عنه في كل هضم فضل ، والطبيعة تجتهد في استفراغه ، ولكن لا يكون استفراغ الطبيعة