أبو علي سينا
174
القانون في الطب ( طبع بيروت )
أحدهما كان على ما فصل فيما سلف ، وإن كان الحار ليس سوء مزاج بل طبيعياً كان المزاج قوياً صحيحاً والقوة قوية جداً ، ولا تظنن أن الحرارة الغريزية يوجب تزايدها نقصاناً في القوة بالغة ما بلغت بل توجب القوة في الجوهر الروحي والشهامة في النفس والحرارة التابعة لسوء المزاج ، كلما ازدادت شدة ازدادت القوة ضعفاً . وأما المزاج البارد فيميل النبض إلى جهات النقصان مثل الصغر خصوصاً والبطء والتفاوت فإن كانت الآلة لينة ، كان عرضها زائداً ، وكذلك بطؤها وتفاوتها وإن كانت صلبة ، كانت دون ذلك . والضعف الذي يورثه سوء المزاج البارد أكثر من الذي يورثه سوء المزاج الحار لأن الحار أشد موافقة للغريزية . وأما المزاج الرطب فتتبعه الموجية والاستعراض ، واليابس يتبعه الضيق والصلابة ، ثم إن كانت القوة قوية والحاجة شديدة حدث ذو القرعتين والمتشنّج والمرتعش ثم إليك أن تركب على حفظ منك للأصول . وقد يعرض لإنسان واحد أن يختلف مزاج شقيه فيكون أحد شقيه بارداً والآخر حاراً فيعرض له أن يكون نبضا شقّيه مختلفين الاختلاف الذي توجبه الحرارة والبرودة ، فيكون الجانب الحار نبضه نبض المزاج الحار ، والجانب البارد نبضه نبض المزاج البارد ، ومن هذا يعلم أن النبض في انبساطه وانقباضه ليس على سبيل مد وجزر من القلب بل على سبيل انبساط وانقباض من جرم الشريان نفسه . الفصل التاسع نبض الفصول أما الربيع فيكون النبض فيه معتدلًا في كل شيء ، وزائداً في القوة ، وفي الصيف يكون سريعاً متواتراً للحاجة صغيراً ضعيفاً لانحلال القوة بتحلل الروح للحرارة الخارجة المستولية المفرطة . وأما في الشتاء فيكون أشد تفاوتاً وإبطاءً وضعفاً مع أنه صغير لأن القوة تضعف . وفي بعض الأبدان يتفق أن تحقن الحرارة في الغور وتجتمع وتقوي القوّة ، وذلك إذا كان المزاج الحار غالباً مقاوماً للبرد لا ينفعل عنه فلا يعمق البرد . وأما في الخريف فيكون النبض مختلفاً وإلى الضعف ما هو . أما اختلافه ، فبسبب كثرة استحالة المزاج العرضي في الخريف تارة إلى حر وتارة إلى برد . وأما ضعفه فلذلك أيضاً فإن المزاج المختلف في كل وقت أشد نكاية من المتشابه المستوي وإن كان رديئاً ، ولأن الخريف زمان مناقض لطبيعة الحياة لأن الحر فيه يضعف واليبس يشتد ، وأما نبض الفصول التي بين الفصول فإنه يناسب الفصول التي تكتنفها . الفصل العاشر نبض البلدان من البلدان معتدلة ربيعية ، ومنها حارة صيفية ، ومنها باردة شتوية ، ومنها يابسة خريفية ، فتكون أحكام النبض فيها على قياس ما عرفت من نبض الفصول .