أبو علي سينا

157

القانون في الطب ( طبع بيروت )

والثالث : جنس الدلائل المأخوذة من الشعر ، وإنما يؤخذ من جهة هذه الوجوه وهي سرعة النبات وبطؤه وكثرته وقلته ورقته وغلظه وسبوطته وجعودته . ولونه أحد الأصول في ذلك . وأما الاستدلال من سرعة نباته وبطئه أو عدم نباته ، فهو أن البطيء النبات أو فاقد النبات إذا لم يكن هناك علامات دالة على أن البدن عادم للدم أصلًا يدل على أن المزاج رطب جداً ، فإن أسرع فليس البدن بذلك الرطب ، بل هو إلى اليبوسة ، ولكن يستدلّ على حرارته وبرودته من دلائل أخرى مما ذكرناه . لكنه إذا اجتمعت الحرارة واليبوسة ، أسرع نبات الشعر جداً وكثر وغلظ ، وذلك لأن الكثرة تدل على الحرارة ، والغلظ يدلّ على كثرة الدخانية كما في الشبان دون ما في الصبيان ، فإن الصبيان مادتهم بخارية لا دخانية ، وضدهما يتبع ضدهما . وأما من جهة الشكل فإن الجعودة تدل على الحرارة وعلى اليبس وقد تدلّ على التواء الثقب والمسام ، وهذا لا يستحيل بتغيّر المزاج . والسببان الأولان يتغيران . والسبوطة تدل على أضداد ذلك . وأما من جهة اللون فالسواد يدل على الحرارة ، والصهوبة تدل على البرودة ، والشقرة والحمرة تدلان على الاعتدال ، والبياض يدل ، إما على رطوبة وبرودة كما في الشيب ، وإما على يبس شديد كما يعرض لنبات عند الجفاف من انسلاخ سواده وهو الخضرة إلى البياض . وهذا إنما يعرض في الناس في أعقاب الأمراض المجففة . وسبب الشيب عند " أرسطوطاليس " ، هو الاستحالة إلى لون البلغم ، وعند " جالينوس " ، هو التكرّج الذي يلزم الغذاء الصائر إلى الشعر إذا كان بارداً وكان بطيء الحركة مدة نفوذه في المسام . وإذا تأملت القولين وجدتهما في الحقيقة متقاربين ، فإن العلّة في بياض اللون البلغم . والعلة في ابيضاض المتكرج واحد وهو إلى الطبيعي ، وبعد هذا فإن للبلدان والأهوية تأثيراً في الشعر ينبغي أن يراعى ، فلا يتوقع من الزنجي شقرة شعر ليستدلّ به على اعتدال مزاجه الذي له ، ولا في الصقلبي سواد شعر حتى يستدل به على سخونة مزاجه الذي يحسبه . وللأسنان أيضاً تأثير في أمر الشعر فإن الشبان كالجنوبيين ، والصبيان كالشماليين والكهول كالمتوسطين ، وكثرة الشعر في الصبي تدلّ على استحالة مزاجه إلى السوداوية إذا كبر ، وفي الشيخ على أنه سوداوي في الحال . وأما الرابع : فهو جنس الدلائل المأخوذة من لون البدن ، فإن البياض دليل عدم الدم وقلّته مع برودة ، فإنه لو كان مع حرارة وخلط صفراوي لاصفر والأحمر دليل على كثرة الدم وعلى الحرارة ، والصفرة والشقرة يدلان على الحرارة الكثيرة ، لكن الصفرة أدل على المرار ، والشقرة على الدم أو الدم المراري ، وقد تدلّ الصفرة على عدم الدم وإن لم يوجد المرار كما تكون في أبدان الناقهين . والكمودة دليل على شدّة البرد فيقل له الدم ويجمد ذلك القليل ويستحيل إلى السواد . وتغير لون الجلد والأدم دليل على الحرارة . والباذنجاني دليل على البرد ، واليبس ، لأنه لون يتبع صرف السوداء . والجصي يدل على صرف البرد والبلغمية . والرصاصي دليل للبرودة والرطوبة مع سوداوية ما لأنه بياض مع أدنى خضرة ، فيكون البياض تابعاً للون البلغم أو المزاج الرطوبة . والخضرة تابعة لدم جامد إلى السواد ما هو قد خالط البلغم فخضره . والعاجي يدل