علي بن الحسين بن هندو

18

مفتاح الطب ومنهاج الطلاب

أرسطو طاليس : « إنّما يستبدع ويتعجّب منه ما لم يعرف سببه . فإذا عرف السّبب ، زال التّعجّب » . وما يتداوله النّاس من حديث الطّست والبيضة دليل على ذلك ، فإنّه يقال : إنّ رجلا كلّف آخر على سبيل المعاياة أن يقيم البيضة على ابرتها في ظهر الطّست المكبوبة . فلمّا أعياه ذلك ، سأل الرّجل عن الحيلة فيه ، وتعجّب من أن ذلك يقدر عليه . فجعل الرّجل على ظهر الطّست ترابا فتما سكت البيضة عليه ، فقال صاحبه هذا شئ قد كان في معلومى ومقدوري . فهكذى إذا فسّرت أسباب الاستنباطات ، هانت على الإنسان ، حتّى يرى انّها مركوزة في نفسه كامنة في غريزته . فأمّا الذين أبطلوا صناعة الطّبّ من أجل أنّ كثيرا من الأعلّاء يتلف على أيدي الأطبّاء ، فلم يوفّوا النّظر حقّه ، ولا عرفوا ما تكفّل الطّبيب به وضمنه . وذلك انّ كلّ صناعة فلها غاية تجرى إليها ، ومادّة تسمّى موضوع تلك الصّناعة ، فيها تؤثّر الصّناعة آثارها ، وتبرز أفعالها . مثال ذلك انّ النّجارة لها غاية هي صنعة الأبواب والأسرّة ونحوها ، ولها موضوع هو الخشب . وليس كلّ خشب يصلح لأن تتّخذ منها الأبواب . فانّ النّجر والمنعجر وما شاكلهما لا ينقاد لصنعة النّجّار .