يعقوب الكشكري

231

كناش في الطب

والخلط السوداوي هو الطبيعي فلا يحدث أمراضا « 1 » لأنه طبيعي - بل هو مثل عكر الدم وثقله كما وصفه حنين في « المسائل » . فمن المرار الأسود الحادث عن الاحتراق تحدث الأمراض الرديئة ، فإن تصاعدت إلى الدماغ أحدثت الوسواس السوداوي ، وإن حدث منها ورم كان ذلك الورم السرطان الذي لا برؤ له ، وربما سعى ودب وكانت « 2 » منه الآكلة فإن انصبت إلى الرجلين والساقين حدث عنها داء الفيل ، وإن انصبت إلى المفاصل وسائر البدن أحدثت « 3 » الجذام ، وإن تعفنت أحدثت حمى الربع « 4 » . وقد ذكر جالينوس أيضا : أن الدماغ ينقسم إلى جزءين : أحدهما الجزء المقدم ، وهو ألين ، لأن أعصاب الحس تنشأ منه [ وخصوصا الذي للبصر والشم ] . والجزء الآخر : المؤخر ، وهو أصلب ومنه ينشأ النخاح وأعصاب الحركة . وفي المقدم بطنان « 5 » ، وهاذان البطنان اللذان في المقدم هما القائلين تدنا « 6 » الروح النفساني من الغشاء الشبكي الذي في الدماغ بما فيه من الشرايين لتوليد الروح النفساني الذي في الدماغ من الحيواني الذي في القلب . وفي هذين البطنين المقدمين تلطف وتتم به المنفعة العظيمة في التخيل والفكر ثم ينتقل إلى البطن المؤخر ليكون به الفكر وتتم به أيضا المنفعة فيما يفعله الدماغ بآلات الحس والحركة الإرادية بالأعصاب والعضل ، لأن الدماغ يعمل بنفسه وهو التخيل والفكر والذكر ، ويعمل بالآلات التي تخدمه وبها ترسل وترسل بها وهي أعصاب الحس اللينة وأعصاب الحركة وهي أيبس العضل . فالروح ينفد في العصب المجوف والذي يأتي العينين أيضا الذي في بطن الدماغ المقدم - أعني موضع التخيل - هو ألين لأنه موضع التخيل ، والروح الذي في البطن المؤخر فهو أيبس . ومن مؤخر الدماغ ينشأ النخاع وهو مح الصلب ، وهو موضع الذكر . والوسط معتدل بينهما وهو موضع الفكر من أجل أن التخيل إنما يتم في آخر المقدم وهو محتاج إلى سرعة القبول في سهولة الانطباع فيما يتخيله . كما أن الطين الرطب ينطبع فيه النقش إذا ختم ولا ينطبع في الطين اليابس ، فهو محتاج إلى آلة ألين لينطبع في الأشياء التي يتخيلها ثم يعمل الفكر بعد ذلك عمله بالاعتدال الذي بين اللين واليابس ؛ [ و ] موضع الذكر هو أيبس من هذين ليدوم له الثبات فيما يتذكره ولذلك صار المحدث للنسيان الرطوبة . وهذه البطون شكلها مستدير لتكون عسرة القبول للآلام ، ويكون ما تسعه في الجوهر النفساني كبيرا . وإنما ذكرت مزاج بطون الدماغ لذكر ما يحدث عليها من تغيير مزاجها . فتحدث الأمراض إذا خرجت عن هذا المزاج الطبيعي .

--> ( 1 ) بالأصل : أمراض . ( 2 ) بالأصل : وكان . ( 3 ) بالأصل : حدثت . ( 4 ) حمى الرابع Fievre quatre راجع باب الحميات . ( 5 ) بالأصل : بطنين ، وهذين البطنين اللذين . ( 6 ) كذا بالأصل .