ابن جزار القيرواني
82
كتاب في المعدة وأمراضها ومداواتها
الدافعة ، وقوة أخرى وهي أشرف هذه القوى وآخرها وهي القوة المغيّرة . وهي التي تدعى الهاضمة التي لسببها احتاجت المعدة إلى تلك القوى الأخر . فالمعدة تعالج الطعام بهذه القوى والآلات التي أحاطت بها علاجا لا يصلح الا بها . لأنها تنقّيه من الأوساخ المختلطة بالغذاء فما كان منه هوائيا خفيفا دفعته ، وهي الرغوة والزبد ، كما يرتفع ويظهر الزبد فوق اللطيف من الشراب ، فيغلي وينضج بالحرارة الغريزية التي في الكبد ، كما يغلي العصير بحرارته ، ويستحيل حتى يصير دما جيدا ثم ترفعه إلى العروق ، فتؤديه العروق إلى المواضع الذي ينضج فيها ، والثقل يرسب في أسفل المعدة ، كما يرسب الدردي في أسفل الخوابي ، ثم تدفعه المعدة بالقوة الدافعة إلى أسفل حتى يخرج بقدرة الله . وان قلنا في ماهية المعدة وكيفيتها قولا موجزا بليغا ، فقد يجب علينا القول بعد ذلك في طبائع هذه القوى الأربع التي لا تعمل المعدة الا بها ، وفي عللها ، وبعضها من الاسطقات الأربع التي تهيج الأمراض فيها . ومعرفة الزيادة منها والنقصان لترد كل قوة إلى اعتدال مزاجها ، بالأغذية والأدوية ، إن شاء الله . القول في طبائع القوى الأربع وأما القوة الجاذبة فإنها تفعل بالحر واليبس لأن المنسوفات لا تنشف الا بالحر واليبس ، وأما الممسكة فإنما يفعل بفعل البرد واليبس لأن المعلوم عندهم أن الامساك والحصر لا يكون إلا بالبرد واليبس وأما المغيّرة وهي الهاضمة التي تحيل الطعام وتقلبه ، فإنما تفعل بالحرارة والرطوبة لأن المنضج انما يكون بإحالة الشيء إلى ما هو ألطف منه وأرطب ومتى ما لم تقم الاستحالة على قدر الحاجة إليها فسد الاستمراء . وأما الدافعة فقد اختلف الأطباء القدماء فيها فقال قائل : هي باردة رطبة لاحتمال القياس والنظر لهذه المقالة ، ولميل عامة حذاق المتكلمين في صناعة الطب إليها مثل : بخيتشوع ويحيى بن ماسويه فأما الدليل . .