محمد بن أحمد التميمي المقدسي

83

مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء

أسماء الكواكب المتحركة التي كانت القدماء من الحنفاء وهم الحرنانيون « 1 » يتخذونها لإصلاح الهواء إذا فسد ، ولدفع ضرر الأوباء إذا شاعت في بلد مما سنأتي بذكره في بابه ، إن شاء اللّه ؛ إذ من طبع النار تحليل ما يعرض في الهواء والماء المجاورين لها بما يتخلل أجزاءهما من لهبها وتمازج جرمهما من حرّها . فكان الملوك والرؤساء الذين يتولّى هؤلاء الأطباء علاجهم ويعنون بمداواة أجسادهم يمتنعون من ذلك التدبير ، ولطف ذلك التأثير عن أن يحدث بهم كثير من الأمراض المخوفة والطواعين المهلكة ، ويغني أطباءهم ذلك عن كثير من مكابدة علاجهم عند نزول الأمراض بهم ، فمن نزل به منهم بعد تحصين نفسه بهذا التدبير مرض من الأمراض العامّية أو عرض من الحمّيات العفنية كان ذلك المرض سليما مأمون العاقبة يسهل التحلل باليسير من العلاج ، وكان ذلك المريض سريع الإفراق وشيك البرء ؛ لقلة ما يتحصل في جسمه من فساد الهواء مع إدمان تنسّمه إياه الذي قدّمه من أخذ الأدوية وتناول الأشربة المانعة لذلك ، الدافعة لضرره . ولم أر أحدا من المتقدمين منهم ولا من المتأخرين أمعن النظر في ذلك وعني به أتمّ عناية حتى وضع له كتابا ، ونصب له أمثاله من العلاجات ، فكان من بعده يقتدي به ويسلك في ذلك محجّته غير الفاضل أبقراط « 2 » ، فإنه وضع

--> ( 1 ) خ : الحرمانيون . ( 2 ) أبقراط : من أهل أسقليبيوس ، وكان مسكنه مدينة قو ، وهو طبيب وفيلسوف ، وهو أول من علم الطب للغرباء الذين ليسوا من نسل أسقليبيوس ، عاش خمسا وتسعين سنة ، منها صبي ومتعلم ست عشرة سنة ، وعالما ومعلما تسعا وسبعين سنة ، وتوفي سنة 357 ق . م .