محمد بن أحمد التميمي المقدسي
109
مادة البقاء في إصلاح فساد الهواء والتحرز من ضرر الأوباء
فأجاب عن ذلك بأن قال : « لأن الرياح الجنوبية ليس إنها رطبة فقط ، بل هي مع ذلك حارة ، وعند كون الأمطار يبرد الجو وتبرد الأبدان لبرده ، وذلك أن الأمطار ترطب الأبدان وتبردها ، ومن شأن الأبدان إذا سخنت مع الرطوبة أن تكون مستعدة لقبول الحميات العفنة ، فإن كانت الأبدان مع سخونتها يابسة فإن الحميات التي تتولد فيها تكون قصيرة المدة ، إلا أنها تكون حادة جدّا ، فأما إذا كانت الأبدان مع سخونتها رطبة فإن الحميات العفنية العارضة لها يطول مداها وتكون أقل حدة ، وأما الأبدان التي هي أميل إلى البرد فإنه كلما أفرط عليها البرد كان ذلك أيضا [ سببا ] لتوليد الحميات فيها ، لا سيما إن كان مع البرد رطوبة أيضا ، وذلك أن الحمى حارة يابسة ، ومن أجل ما وصفنا صارت الأمطار ؛ / إذ هي تبرد الأبدان وترطبها تنفي وتزيل كون الحميات في الأبدان عند هبوب الرياح الجنوبية ، وقد نجد الرياح الجنوبية تربي وتنمي النبات ، وفعلها هذا يكون إذا هبت من جانب البحر ، فأما إذا هبت هذه الريح من غير مطر يتبعها فإنها تولّد اليرقان في الأبدان » . وقال في مسألة أخرى : « لم صار عند الانقلابين ، يعني رجوع الشمس الصيفي والشتوي ، يفشو الموت والوباء في الناس كثيرا ويدوم أياما كثيرة » ؟ فأجاب عن ذلك بأن قال : « لأن رجوع الشمس في الانقلابين قد يغلب على ذينك الوقتين سوء الاعتدال ويفرط ، ويغلب أحد المزاجين على صاحبه إما الحرارة وإما البرودة ويدوم ذلك أياما كثيرة ، ومن شأن سوء الاعتدال أن يسقم الأبدان ويمرضها ويتلفها ، سيما المائلة إلى ذلك الفساد ، المتهيئة لقبوله بمادة رديئة يحدثها فيها أو ضعف ركن طبعي من أركانه ، ومتى كان ذلك فإنه يكون سببا لكون الأمراض المهلكة المتلفة » .