أحمد بن سهل البلخي
76
مصالح الأبدان والأنفس
ولم نجد في الكلام حول معرفة البلخي بعلم الطب غير عبارة ياقوت السابقة ؛ وربما كان السبب في ذلك أنه كان ممن يشتغل بالطب النظري ، ولم يكن طبيبا يمارس الطب ، ولهذا لم يفرده ابن أبي أصيبعة بالترجمة ، وإنما ذكره عرضا في ثلاثة مواضع « 1 » . ومن الجدير بالذكر أن التأليف الطبي لعالم من علماء الحضارة العربية الإسلامية لا يكفي للدلالة على أنه طبيب أو مارس الطب ، وإنما كان ذلك من مستلزمات الاشتغال بالعلوم ، والموسوعية التي تميز بها علماء تلك الحقبة . ولعل وجود أشخاص يهتمون بالطب النظري فقط ، يرجع إلى غلبة المنهج الاستدلالي الذي يعتمد على القياس عند الأطباء العرب ، لا سيما في عصر الترجمة الذي عاش فيه المؤلف . وهذا ما ورثوه عن الطب اليوناني الذي كان يقوم على كليّات وضعها الطبيعيون والفلاسفة . ولم يجد العلماء العرب حاجة إلى تغيير الأسس الفلسفية والطبيعية التي قام عليها الطب اليوناني ؛ وذلك لأنها - في نظرهم - تابعة لبراهين خارجة عن العلوم الطبية « 2 » . وقد وجدنا عددا ممن ألف في العلوم الطبية ، ودخل في قائمة الأطباء العرب دون أن يمارس الطب بشكل جدي كابن ربن الطبري ، صاحب « فردوس الحكمة » . ومما يؤكد لنا هذه الفكرة قول الرازي « 3 » - وهو تلميذ البلخي - : « أول ما تسأل عنه التشريح ومنافع الأعضاء ، وهل عنده علم بالقياس ، وحسن فهم ، ودراية في معرفة كتب القدماء . فإن لم يكن عنده ، فليس بك حاجة إلى
--> ( 1 ) ابن أبي أصيبعة ، عيون الأنباء 416 ، 425 ، 426 . ( 2 ) انظر حسين ، الموجز في تاريخ الطب والصيدلة عند العرب 16 . ( 3 ) تقدّمت ترجمته .