أحمد بن سهل البلخي

560

مصالح الأبدان والأنفس

ذلك ، وتعيش معه . وكذلك الأعراض الفظيعة « 1 » من الجوع والعطش ، والأمراض التي تطول عليه ، فتذهب عقله ، وتبطل حواسّه ، وتمنعه من تناول الغذاء الذي هو حياته مدّة طويلة ، فيبقى على ذلك كلّه ، ويعيش معه ؛ بسبب قوّة إلف روحه لجسده ، وشدّة تشبّثها « 2 » به . فطبيعته لقوّة فعلها في إمساك الحياة هي التي تحتمل ذلك كلّه ، وهي التي تجتهد في دفع الأمراض « 3 » والأسقام عن الجسد ، حتى لو نظر في أسباب الذين تصيبهم الأمراض الصعبة ، فتختلف إليهم الأطباء ، لما وجد معه إلا الشاذّ الواحد بعد الواحد ينتعش من مرضه / بعلاج الطبيب ، بل بمعونة الطبيب الطبيعة ، واجتهادها في دفع الأذى عن ذاتها حتى يبرأ بذلك السقيم ويتخلّص . ومن الدليل على ذلك أحوال الذين يبعدون عن مواضع الأطبّاء ، ولا يحتمون في العلل ولا قبلها ، ويتناولون كلّ ما يشتهون من خيار الأطعمة والأشربة ، ثمّ تكون غاية الأكثر منهم أن يبرأوا من عللهم ما لم يبلغوا مبلغ الهرم والفناء ، ولم يعرض لهم وباء شامل يفنيهم . ففي ذلك دليل على قوّة أمر الطبيعة ، ولطف الاشتباك الذي بين الأرواح والأبدان . ولذلك يجب ألّا يميل قلب الإنسان في كلّ علّة تعرض له إلى أنّها تتلفه أو تتطاول به فلا تقلع عنه ، فيجعل المتأذّي بوسواس الصدر هذه الفكرة عدّة يستظهر بها عليها في وقت ما تعرض له علّة . ومنها أن يفكّر أيضا في أمر شبيه « 4 » بهذا الذي وصفناه ، وهو أنّ اللّه - تبارك وتعالى - لمّا أراد من عمارة هذه الدنيا وبقاء أهلها فيها إلى المدّة / التي قدّرها ، كذلك جعل أسباب السلامة فيها أغلب من أسباب الهلكة بالحكم الأعمّ ، ولو

--> ( 1 ) في ب : القطيعة . والصواب من أ . ( 2 ) في أ : التشبه . والصواب من ب . ( 3 ) في ب : الأوصاف . والصواب من أ . ( 4 ) في أ ، ب : سببه . والصواب ما أثبت .