أحمد بن سهل البلخي

546

مصالح الأبدان والأنفس

مؤثر التحبّب والتودّد إلى الناس ، سريع الاستحالة من الغضب إلى الرضا ، ومن الرضا إلى الغضب ، قليل الثبات على حال واحدة ، رقيق القلب ، ليس بذي قسوة ولا فظاظة - وهذه هي صفات المركّب من طبيعتي البلغم والمرّة الصفراء - « ف » اعلم أنّ هذا العرض الذي عرض له من سوداء « 1 » ليست بأصليّة ، بل عارضة ، ويكون عند ذلك الخوف عليه ممّا يتأذّى به من الوساوس وأحاديث النفس أقلّ ؛ لأنّ الخواطر الرديئة إنّما تقوى بيبوسة المزاج من طبيعتي المرّة الصفراء والسوداء ، فهي مادّتها . وصاحب هذه الطبيعة التي وصفناها يغلب عليه في مزاجه / الأوّل الرطوبة البلغميّة ، فهي تمنع الخواطر أن تفرط عليه إفراطا شديدا ، وإنّه يتفاقم الأمر فيها . على أنّه وإن كان الأمر أسهل عليه من النوع الآخر ، فإنّ أذاه - بعد - على من يمتحن به شديد ؛ لأنّه ألزم للنفس من الأعراض النفسانيّة الأخر التي تقدّم وصفها . ومن صعوبته أنّه ليس شيئا يهيج عن سبب معروف ، كالغضب والفزع والخوف والجزع ، فيرتفع بارتفاع سببه ، ويبطل ببطلانه ، مثل الغضبان الذي إذا شفى غيظه بالانتقام ، أو طال عهده بما أغضبه سكن غيظه ، وسكنت نفسه من ذلك العرض ، ولم يجد تأذّيا له . وكذلك الخائف إذا زال عن قلبه الشيء الذي يخيفه ، بطل روعه ، وعاد إلى أمنه وطمأنينة نفسه . وكذلك حكم سائر تلك الأعراض الموصوفة من أنّها تقع مرّة ، وترتفع أخرى ، وأنّ كلّا منها إنّما يعرض للإنسان فيما بين الأيّام المتطاولة مرّة ، وربّما سلم عن أكثرها في المتطاول من أزمان عمره ، / فإنّه ليس يرد على الإنسان في كلّ وقت من الأمور ما يغضبه غضبا مقلقا ، ولا ما يخيفه خوفا مفرطا . فمن هذه الجهة يسهل الأمر في تلك الأعراض .

--> ( 1 ) في أ : السوداء . والصواب من ب .