أحمد بن سهل البلخي

535

مصالح الأبدان والأنفس

والكيّ ؛ فإنّهم متى اعتادوا مباشرة ذلك ومرنت أبصارهم عليه ، لم يرعهم ما يروع الغفل من أهل تلك الصناعة ، الذين لم تسبق لهم عادة بالنظر إلى شيء من تلك المناظر الفظيعة الموحشة . وكذلك من هذا النوع اعتياد الملّاحين وركّاب السفن النظر إلى أهوال البحر وأمواجها ؛ فإنّهم لدوام مباشرتهم لذلك واعتياد حواسّهم لا ينالهم من روعته ما ينال الذي يبتدئ بالنظر إليه في أوّل الأمر . وكذلك حكم الذين ينزلون البقاع التي تكثر بها الزلازل ، فإنّهم لمّا اعتادوها صاروا لا يكترثون لها ، ولا يحفلون « 1 » بها ، ولا ينالهم من روعتها ما ينال أهل البقاع الذين لا يكون بأرضهم الزلازل ، أو يطول عندهم بما يحدث فيها بين الأزمان المتطاولة . وشبيه بما قلناه اعتياد الإنسان لنوع من الأمراض / تعتريه كثيرا ، فإنّه في أوّل ما يعرض له يشتدّ خوفه وتألّمه منه ، حتى إذا تتابع عليه مرّات ، وطال تجاربه له في سلامته عليه ، قلّ اكتراثه بما يعتريه ، ولم يكد يعبأ به . هذا في فعل التجارب واعتياد الحواس . وللجهل بماهيّة الشيء في اختلاف الخوف إلى الإنسان ، وللعلم به في دفع ذلك الخوف عنه مثل هذا الحكم ؛ وذلك أنّا نرى الجاهل لماهيّة الشيء الذي يهول النظر أو السمع يناله من روعته ما لا ينال العالم بعلّة ذلك الشيء ، وشبه مثل العالم بأسباب كسوف الشمس والقمر والزلازل ، فإنّه لا ينال من روعة أحداثها ما ينال الجاهل بتلك العلل ، وذلك من نوع ما ذكرناه من خوف الصبيان الصغار من الأشياء التي يفزعون منها « 2 » ، وهي غير ضارّة في طباعها . وهذا الذي وصفناه موجود في عامّة الحيوان ، كما هو موجود في الإنسان ؛ وذلك أنّا نجدها في خوفها ما تخافه / إنّما تؤتى من قبل جهلها بماهيّة الأشياء التي

--> ( 1 ) في أ ، ب : يجفلون . والصواب ما أثبت . ( 2 ) في ب : بها . والصواب من أ .