أحمد بن سهل البلخي
526
مصالح الأبدان والأنفس
أشرف المناقب التي وصف بها الملوك وسادات الناس وعظماؤهم ، وأجلّها قدرا ، وما خلّده الناس الذين وسموا به ، وكفوا به سورة الغضب وحميّته ، واستعملوا العفو والصفح من جميل الذكر والثناء ، واقتنوا بذلك من المآثر التي طاب نشرها عنهم ، ويمثّل « 1 » بين ما يقضيه « 2 » من وطر الغضب في إقدامه وانتقامه ، وبين ما تكسب « 3 » نفسه من استعمال الحلم والأناة من رتبة تلك المناقب ، ونيل تلك الفضائل ؛ ليعلم أنّ ما يخلّد على نفسه منهما أنبل « 4 » وأشرف له ، وأجدى / وأردّ عليه من شفاء غيظ لا تحصل له فضيلة « 5 » ، بل لعلّه يكسبه مآثم « 6 » ، ويورثه ندما ، فإنّه إذا خطر بباله هذا الباب وقت هيجان الغضب منه لم يعدم الانتفاع به . ومنها أن يفكّر في أنّ شدّة الانتقام وسرعة المؤاخذة ممّا ينفّر قلوب الخدم والأتباع عن « 7 » الرئيس ، وقلوب الرعيّة عن الملك ، وإن حمل ذلك في العاجل على الخضوع والانقياد في الظاهر ، فإنّه يكسب الأحقاد والضغائن في الباطن ، وأنّ استعمال العفو والتجاوز يوجب خلاف ذلك من تحبيب الرئيس إلى الأتباع ، والملك إلى الرعيّة ، وإيداع قلوبهم المحبّة والشفقة ؛ فتكون الطاعة من هذا الصنف طاعة من داخل ، والطاعة من الصنف الآخر طاعة من خارج ، والذين يطيعون الرئيس طاعة من داخل - وهي طاعة المحبّة - [ و ] هم حرّاسه من حيث يعلم ولا يعلم ، والذين يطيعون طاعة من خارج - وهي طاعة الرهبة - / يحتاج الرئيس إلى الاحتراس منهم ، وبين الحالتين فرق بيّن ، وبين المنزلتين فضل لا يخفى
--> ( 1 ) في ب : وبمثل . والصواب من أ . ( 2 ) في أ : يقتضيه . والصواب من ب . ( 3 ) في ب : يكسب . ( 4 ) في أ : أنيل . ( 5 ) في ب : لا يحصّل له فضيلة . ( 6 ) في ب : بل لعلة تكسبه . والصواب من أ . ( 7 ) في أ ، ب : على . والصواب عن ؛ لأن نفّر عنه : لقّبه لقبا مكروها . وأنفر فلانا على فلان : أنفره ؛ أي قضى له عليه بالغلبة .