أحمد بن سهل البلخي

524

مصالح الأبدان والأنفس

بها ، فيرتّب لنفسه قوما من خاصّته يطلق لهم وعظه وتذكيره وتبصيره فضيلة العفو « 1 » والصفح ، وما في ذلك / من حسن الأحدوثة في العاجل ، وجزيل الثواب في الآجل ، إذا رأوا الغضب قد أقبل يهيج منه لتسكّن تلك العظة منها ، ويأذن لهم في الشفاعة لمن يخافون إقدامه عليه بأدب أو عقوبة ؛ فإنّ ذلك مما ينتفع به في حال اختلاطه واستشاطته وعجزه عن ضبط نفسه ، ومقاومة الهائج منه . فإنّ مثل ما يستقبل الغضب المهتاج به من المسألة والشفاعة مثل ما يقابل به غليان القدر من ماء بارد يصبّ فيها ، فيسكّن فورانها . ولم تزل من عادة الملوك الأفاضل أن يحضروا مجالسهم العاميّة والخاصّيّة من يوجبون لهم هذه الرتبة ، فيعظم انتفاعهم بها . 2 / 5 / 3 : وأمّا المعاون التي يستظهر بها من داخل ، فهي الحيل من الفكر التي يعدّها ليخطرها بباله ، فيتّعظ بها . فمنها : أن يفكّر في وقت سكون نفسه وعدم قوّة الغضب أنّه « 2 » عرض إن لم يبادر في أوّل اهتياجه بضبط نفسه عنه ، وتركه يتمكّن منه ، لم يقدر / بعد ذلك على تلافيه ، وفاته أمره ، وخرج الأمر من ملكه ، وإنّ مثله في ذلك مثل النار التي تبتدئ في الإيقاد من أنّه يتهيّأ إطفاؤها بأيسر المؤنة إذا تودّرت « 3 » ، فإن تركت حتى تعظم وتضطرم صعب الأمر بعد ذلك في إطفائها ، ولعلّه لا يقدر على ذلك حتى يأتي بالإحراق على ما يقع فيه ، وكمثل الفرس الذي يقصد الجماع براكبه ، فإن كبحه « 4 » في أوّل الأمر تهيأ له ضبطه ، وإن تركه حتى يتمادى به الجماع أعجزه إمساكه . فإذا جعل هذه الفكرة منه على بال رجع

--> ( 1 ) في ب : وعظيّة وتذكرة وتبصرة فضيلة العفو . ( 2 ) أي : الغضب . ( 3 ) تودر في الأمر : تورّط ( القاموس المحيط ود ر 1 / 681 ) . ( 4 ) في أ : كسحه . والصواب من ب .