أحمد بن سهل البلخي

517

مصالح الأبدان والأنفس

والثاني : أنّ الإنسان في وقت اهتياج عارض من الأعراض النفسانيّة به مشغول بما يقاسيه / من ذلك العارض ، مقهور على عزمه ورأيه ، مفتقر إلى من يلي عليه تدبير أمره ، وإصلاح فساده ، وحاله في ذلك شبيهة بحال الطبيب الذي يعتلّ علّة جسدانية ، فيشتغل بها عن التطبيب لنفسه ، ويفتقر إلى طبيب آخر يقوم بمداواته ومعالجته . ومن أجل ما وصفناه كانت العادة جرت من الملوك الحزمة بأن تكون لحضرتهم حكماء يداوون منهم الأعراض النفسانيّة - إذا هاجت « 1 » - نحو الغضب والفزع والضجر ، بالوصايا والمواعظ ، فيقبلونها منهم ، وينتفعون بسماعها ، والعمل بها ، وكانوا يرتبطونهم « 2 » لذلك كما يرتبطون أطباء حذّاقا يراؤون منهم الأعراض البدنيّة إذا أصابهم شيء منها ، علما منهم بأنه لا غنى بهم عن اقتناء الصنفين معا ، وأنّ الحاجة إلى أحد الصنفين في وزن « 3 » الحاجة إلى أن يكون لكلّ منهما غذاء ودواء في نوعه ومن جوهره . على أنّ المعونة التي تلحق الإنسان من خارج / في نفي الأعراض النفسانيّة وإن كانت أردّ وأنفع ، فإنّه ليس يستغني مع ذلك عن « 4 » معونة تلحقه من داخل بوصايا فكريّة يتهيأ أن يقمع بها الأعراض النفسانيّة إذا هاجت ، فيجمعها في نفسه « 5 » في وقت صحّتها ، وسكون قواها ، ويستودعها قوّة الحفظ منها ، ليخطرها بباله ، ويعظ بها نفسه إذا لم يحضره « 6 » واعظ مذكّر من خارج ، كما يفعله المحتاط في الأعراض البدنيّة لنفسه ، بأن يتطلّب أدوية تصلح للأمراض البدنيّة ، فيجمعها ويستودعها خزائنه ؛ لكي إن عرض له عارض من الأمراض

--> ( 1 ) إذا هاجت : ساقطة من ب . ( 2 ) ارتبط فرسا : اتخذه للرباط ، والرّبيط : الحكيم ظلفت نفسه عن الدنيا ( القاموس المحيط ر ب ط 2 / 901 ) . ( 3 ) في أ : في وقت . ( 4 ) في ب : مع . والصواب من أ . ( 5 ) في أ ، ب : نفسها . والصواب ما أثبت . ( 6 ) في ب : يخطره .